قد يكون الوقت مناسباً كي تتفاوض باكستان والهند على إجراءات جديدة لخفض الخطر النووي، فربما يكون البلدان في حالة هدوء موقّت بين الأزمات التي يتسبّب بها متطرفون على صلة بباكستان. لكن إحدى المفارقات الكثيرة المتعلقة بالأسلحة النووية هي أنه عندما تكون الحاجة إلى خفض المخاطر النووية هي الأقوى، يمكن أن يكون تطبيق هذا الخفض صعباً للغاية. لا تزال نيودلهي تتألّم كثيراً من الهجمات الأخيرة في مومباي والتي أسفرت عن مقتل نحو 170 متفرّجاً بريئاً. لقد تم تدريب المهاجمين وتجهيزهم في باكستان. وكانوا على صلة بمجموعة "عسكر طيبة" التي حظرها الجنرال برويز مشرف، لكنها لا تزال تتمتّع باستقلال ذاتي كبير.
تطالب إسلام أباد منطقياً باستئناف الحوار الرسمي مع الهند. وتعتبر نيودلهي منطقياً أنه على باكستان أن تبذل مزيداً من الجهود لتلبية التعهدات التي تتكرر غالباً بعدم استعمال أراضيها منصة للإرهاب عبر الحدود. بعض من ساعدوا منفّذي الهجمات في مومباي يخضعون الآن للمحاكمة في باكستان. سوف تساعد نتيجة هذه المحاكمة على تحديد الموعد الذي قد تُستأنف فيه المحادثات الثنائية الرسمية. لكن من الواضح تماماً منذ الآن أن الإجراء الأهم لخفض الخطر النووي في شبه القارة هو بذل الأجهزة الأمنية في باكستان مزيداً من الجهود المنسَّقة للقضاء على المجموعات المتطرّفة التي تستعمل ذلك البلد قاعدة لها.
باكستان هي الآن في معضلة: فـ"الأوراق الرابحة" التي دعمتها لممارسة ضغوط على الهند تحوّلت الآن عوائق. يحمّل الباكستانيون الآخرين مسؤولية هذه المعضلة، ولا سيما الولايات المتحدة التي دعمت أيضاً القتالية الإسلامية عندما كانت تصب في خانة الهدف المتمثل بإخراج السوفيات من أفغانستان. ابتعدت الولايات المتحدة في خطوة غير حكيمة، عن باكستان وأفغانستان على السواء بعد خروج السوفيات، في حين اتّخذت الأجهزة الأمنية الباكستانية قراراً غير حكيم بإعادة توجيه التكتيكات الجهادية ضد الهند.
لو بقيت واشنطن في أفغانستان بعد عام 1989، لكانت باكستان لا تزال تستخدم بالتأكيد وكلاء عنها للسيطرة على تلك الأرض التعيسة الحظ، كما يتّضح من دعمها لحركة "طالبان" الأفغانية بعد عودة الولايات المتحدة لطرد الملا عمر وتنظيم "القاعدة". لكن عبر قطع الروابط مع الجيش الباكستاني من خلال فرض "تعديل برسلر" – الذي لم يتسبّب به رحيل السوفيات إنما نشاطات تخصيب الأورانيوم الباكستانية خلال الأزمة مع الهند عام 1990 – خسرت واشنطن طوال عقد أي تأثير كانت لتمارسه على العلاقات الباكستانية-الهندية. خلال هذه المرحلة، كانت المجموعات الجهادية تتناول الطعام على مائدة الاستخبارات الباكستانية، وتتسبّب بأسى كبير في ولاية جامو وكشمير الهندية.
لم يكن المرء بحاجة إلى موهبة عظيمة في التنبؤ ليتوقّع أن تكتيكات باكستان سوف ترتدّ عليها في نهاية المطاف. في البداية، خدم استعمال العنف لاستقطاب الاهتمام الدولي بـ"النقطة النووية الساخنة" في كشمير، المصالح الباكستانية. لكن كلما أمعنت الأجهزة الأمنية الباكستانية في اللعب بالنار، كانت الأحوال الداخلية والاقتصادية في باكستان تتراجع أكثر فأكثر. وكانت نقطة التحول الحاسمة مع حرب كرجيل عام 1999 التي قضت على كل ما تبقّى من الإنكار القابل للتصديق في ما يتعلق باستخدام باكستان وكلاء عنها من أجل التأثير في النزاع في كشمير. لقد كانت المغامرة السيئة في كرجيل التطوّر الأبرز الذي أدّى إلى تعزيز الدعم الدولي للاستاتيكو على طول الخط الفاصل في كشمير. وكانت النقطة الحاسمة الأخرى بعد أحداث 11 أيلول، عندما لم يكن أمام الجنرال مشرف من خيار سوى قطع علاقاته مع حكومة أفغانية تستضيف تنظيم "القاعدة" على أراضيها، والانضمام إلى حرب الرئيس بوش المفتوحة على الإرهاب. في ذلك الوقت، حاول مشرف أن يرسم خطاً فاصلاً بين "محاربي الحرية" الذين يعملون ضد الهند، والجهاديين المضلَّلين الذين أملت باكستان في السابق بأن يؤمّنوا عمقاً استراتيجياً في أفغانستان. كان هذا التمييز واهياً آنذاك، وازداد ضعفاً مع مرور الوقت.
بعض الأوراق الجهادية الرابحة سابقاً في يد باكستان انقلبت الآن على الدولة التي تكبّدت أكثر من خمسة آلاف ضحية منذ عام 2007. لا تزال "الأوراق الرابحة" الأخرى هامدة، لكن يمكن أن تتغيّر الولاءات بسرعة، وقد تجد الأجهزة الأمنية الباكستانية صعوبة في المحاربة على كل الجبهات. لقد بدأ الجيش الباكستاني المهمة الصعبة المتمثّلة بمواجهة التهديدات للأمن الداخلي، لكن لا الجيش ولا الوكالات المدنية تجيد الفوز بالقلوب والعقول.
ثمة خيارات صعبة جداً مطروحة على باكستان الآن في سياق معضلتها الأمنية. من دون بذل مزيد من الجهود المنسَّقة لمكافحة الإرهاب، سوف تقع على الأرجح تفجيرات إضافية في كل من باكستان والهند. لكن من شأن حملة قمع أوسع نطاقاً تشنّها القوى الأمنية الباكستانية أن تؤدّي حكماً إلى زيادة أكبر في الهجمات التي تؤدّي إلى سقوط عدد كبير من الضحايا.
بعبارة أخرى، سوف تولّد استراتيجيا لمكافحة الإرهاب تتطلع إلى الأمام، رد فعل عنيفاً، لكنها ستقود في نهاية المطاف إلى نهوض باكستان من جديد. بدلاً من ذلك، قد يرغب القادة الباكستانيون في الحصول على استراحة قصيرة لالتقاط أنفاسهم وذلك عبر التوقّف عن ملاحقة التهديدات للأمن الداخلي. لكن من شأن هذا الخيار أن يسرّع انحدار بلادهم في المدى الطويل.
(شارك في تأسيس مركز ستيمسون، ومؤلف Better Safe than Sorry, The Ironies of Living with the Bomb (الأمان أفضل من الندم، سخريات القدر في العيش مع القنبلة النووية) (مطبعة جامعة ستانفورد، 2009). ترجمة ن. ن.)
"النهار"




















