علي عبود : (كلنا شركاء) 3/2/2010
لم تجد حكومة المهندس محمد ناجي عطري من تلقي عليه بمسؤولية عدم تحقيق أهداف الخطة الخمسية العاشرة سوى الظروف الجوية السيئة التي سادت البلاد !
آخر تصريح في تحميل المناخ مسؤولية ماحصل من تراجع في النمو والإنتاج كان للنائب الإقتصادي عبد الله الدردري في المؤتمر الدولي الأول للتنمية في سورية حيث قال حرفيا : ( ولولا الجفاف الذي عانيناه لاستطعنا تحقيق أهداف البطالة والفقر والنمو المستهدف في الخطة، لكننا لا نستطيع أن نقول إننا سنترك المستقبل لقضية متعلقة بالسماء، من دون محاولة التأثير فيه ) .
يمكن أن نلاحظ أن الدردري يلقي أيضا بالمسؤولية على الجفاف الذي منع الحكومة من توفير فرص العمل ومن مكافحة الفقر ..!
ولم تقصّر وزارة الزراعة بالعزف على وتر المناخ الجاف فرأت أن ( أن الزراعة ما زالت تلعب دوراً رئيسياً في الاقتصاد الوطني من خلال مساهمتها في الانتاج والناتج المحلي الاجمالي حيث حقق الانتاج الزراعي تطوراً ملموساً في الفترة المدروسة عدا عامي 2007- 2008 لتأثره بالعوامل المناخية والجفاف الذي تعرض له خلال الفترة الاخيرة ) .
من يقرأ تحليلات رجالات الحكومة في الأشهر الأخيرة يتولد لديه انطباعا عاما أن سورية هي من البلدان الرطبة – لاالجافة ولاشبه الجافة – وانها تعرضت لظروف مناخية جافة بشكل استثنائي وغير مسبوق من قبل خلال عامي 2007 – 2008 فقط في حين أن سورية تتعرض للجفاف الحاد منذ عام 1984 والسنوات الرطبة أصبحت نادرة جدا .
وإذا كان النائب الإقتصادي يبشرنا ( لا نستطيع أن نقول إننا سنترك المستقبل لقضية متعلقة بالسماء، من دون محاولة التأثير فيه ) .. فإننا نسأله : كيف ستؤثر بقضية متعلقة بالسماء دون العودة إلى مبدأ ( أولوية الزراعة وزيادة المساحة المروية ) ؟
لقد اكتشفت الحكومة سريعا أن قراراها الغبي برفع أسعار المازوت في عزّ ري الحبوب كبّد سورية خسارة مادية لاتقل عن 20 مليار ليرة سورية وبدلا من أن تتحمل مسؤولية مافعلته لجأت الحكومة إلى المناخ الجاف لتحميله مسؤولية هذه الخسارة التي لم تحصل في محصول واحد من قبل حتى الآن ..!
تابعوا معنا هذه الأرقام :
المنطق يقول أن مساحة الأراضي المزروعة فعلا يجب أن تزداد تبعا لازدياد عدد السكان ولكننا نجد عمليا أن الأراضي المزروعة انخفضت من 4.873 ملايين هكتار عام 2005 إلى 4.61 ملايين هكتار عام 2008 أي عادت إلى مستوى المساحة المزروعة في عام 2003 سنة استلام المهندس عطري للوزارة خلفا لسلفه محمد مصطفى ميرو !
وإذا كان الأساس في استقرار الإنتاج الزراعي هو الأراضي المروية وليست البعلية فإننا نلاحظ باستغراب الإنخفاض المستمر في المساحة المروية في عهد حكومة المهندس عطري من 1.439 مليون هكتار عام 2004 إلى 1.426 مليون هكتار عام 2005 فإلى 1.4 مليون عام 2006 فإلى 1.396 مليون عام 2007 فإلى 1.355 مليون هكتار عام 2008 .. ولا ندري إلى أي رقم سيستقر التراجع في المساحة المروية في عهد حكومة عطري التي اخرجت الزراعة وقطاع الري والإستصلاح من أولوياتها لصالح مايسمى بـ اقتصاد السوق الإجتماعي .. فأي سوق هذا لايكون محوره قطاعا الزراعة والصناعة ؟
ومثلما انتهجت حكومة عطري سياسة محكمة لتقليص حجم ودور القطاع العام الصناعي فإنها انتهجت السياسة نفسها في القطاع العام الزراعي مع ان دوره بالأساس كان محدودا جدا لكنه يبقى مع ذلك من المؤشرات المهمة على سياسات الحكومة ..
لقد تراجعت مساحة الأراضي المزروعة من قبل القطاع العام من 6 آلاف هكتار عام 2003 إلى 800 هكتار عام 2008 وكانت بحدود 58 ألف هكتار عام 1999 !
وقد يخطئ الكثيرون إذا استنتجوا أن تراجع المساحات المزروعة لدى القطاع العام أدى إلى زيادة المساحة المزروعة من قبل القطاع الخاص لأن الأرقام تقول أن المساحة المزروعة من القطاع الخاص كانت تبلغ 2.64 مليون هكتار عام 2003 ارتفعت قليلا إلى إلى 2.73 مليون هكتار عام 2007 ثم لتنخفض إلى 2.4 مليون هكتار تقريبا عام 2008 !
وبشكل عام انخفضت الأراضي المزروعة فعلا خلال 2003- 2008 من 4.7 إلى 4.6 ملايين هكتار مما يعني عدم الإهتمام الحكومي بزيادة الأراضي المزروعة .
ونلاحظ أيضا ان مساحة الحبوب تراجعت من 1.83 مليون هكتار عام 2004 إلى 1.48 مليون هكتار عام 2008 ورافق هذا التراجع بالمساحة تراجع بالإنتاج من 5 ملايين طن تقريبا في عام 2003 إلى حدود 4 ملايين طن عام 2007 وانخفض الإنتاج بحدة إلى 2.13 مليون طن فقط عام 2008 .. فلماذا ؟
لم يتوقف أحد عند إنتاج عام 2008 ليسأل : ما أسباب تراجع إنتاج الحبوب إلى الرقم الذي كان عليه في عقد الثمانينات من القرن الماضي ؟
لن نتحدث عن المحاصيل الأخرى لأن التراجع الحاد اقتصر على القمح فقط بل ان محاصيل أخرى شهدت زيادة في الإنتاج خلال عامي 2007 – 2008 من جهة ولأن الخسارة بالقمح تجاوزت العشرين مليار ل س من جهة أخرى !
إذا كان السبب هو فعلا الجفاف كما يزعم الدردري ووزارة الزراعة فلماذا بقي رقم انتاج الحبوب كبيرا بحدود 4 ملايين طن عام 2007 وهو من الأعوام الجافة ولا تزيد كمية امطاره عن امطار عام 2008 ؟
الجواب – المفاجأة الذي لاتريد الحكومة الإشارة إليه هو ارتفاع اسعار المازوت في الفترة التي يحتاج فيها الموسم إلى الريّ !
فعلا كان الجفاف في العام 2008 يسود البلاد منذ شهر شباط ولكن لم يكن ذلك استثنائيا فالأمطار تنحبس عن سماء سورية منذ آذار على مدى الأعوام الماضية لكن بما ان الإعتماد على الري هو الأساس فإن المزارعين لم يهتموا في الماضي بانحباس الأمطار كثيرا ، ولكن الجديد هو رفع أسعار المازوت أي ارتفاع تكلفة الري ثلاثة أضعاف دفعة واحدة دون سابق إنذار !
صحيح أن الأراضي المزروعة تراجعت .. وصحيح أن المساحة المروية تراجعت أيضا .. ولكن كل ذلك لم يشكل العامل الحاسم بتراجع إنتاج القمح إلى ماكان عليه منذ أكثر من عشرين عاما ، فالذي أثّر وكان سبب هذا التراجع الدراماتيكي هو القرار غير الرشيد برفع الدعم عن المازوت في الوقت غير المناسب أي أن الحكومة لم تنتظر نهاية الحصاد بل فضلت أن تفاجئ المزارعين برفع السعر فردوا لها المفاجاة بأسوا منها فخفّضوا الإنتاج !
وبحسبة بسيطة نكتشف أن ثمن خسارتنا لمليوني طن من القمح بسبب القرار الغبي برفع المازوت في وقت غير مناسب على الإطلاق دون أن يرافقه دعم فوري يتجاوز الـ 20 مليار ل س .. فمن تحمل مسؤولية نتائج هكذا قرار حتى الآن .. غير الطبيعة الجافة ؟
وما يؤكد كلامنا أن الحق على الحكومة وليس على الجفاف بتراجع الإنتاج إن مردود طن الحبوب في الهكتار الواحد لم ينخفض إلا في عام 2008 .. فلماذا في هذا العام الجاف دون سائر الأعوام الجافة الأخرى التي تسيطر على سورية منذ نحو ربع قرن من الزمن والإستثناءات قليلة جدا ؟
لقد تفاجأت – باعتباري أحد المتابعين لإنتاج الحبوب منذ سنوات وسنوات – أن مردود القمح لم يتجاوز 1.4 طن في الهكتار الواحد عام 2008 ، وهو رقم قليل جدا غير مسبوق لم يحصل في أقسى الظروف المناخية التي مرت على سورية فحتى في عام 1987 الجاف كان المردود 1.5 طن بالهكتار .. فهل المطلوب أن نعود إلى الوراء .. أم ماذا ؟!
وما يؤكد ان ليس للمناخ علاقة بالإنتاج فإن عام 2007 كان لايقل جفافا عن عام 2008 باعتراف مباشر من الحكومة ومع ذلك فإن مردود القمح وصل إلى 2.4 طن في الهكتار وهو يقترب جدا من أرقام السنوات 2003 – 2006 ..
وبدلا ان تعترف الحكومة بقراراها السيئ جدا فإنها ألقت بالمسؤولية على الجفاف وكأن الناس وبخاصة المنتجين لايعرفون الحقيقة المرة وهي أن المنتجين خفّضوا عدد وكمية الريات لمحاصيلهم بعد رفع الدعم عن المازوت !
وإذا سأل احد : ماعلاقة المازوت بري الأراضي ؟
فإننا نجيبه أن القسم الأعظم من الأراضي المروية يعتمد على المحركات لضخ المياه من الأنهار والينابيع والآبار ففي عام 2008 مثلا بلغت مساحة الألااضي المروية من الآبار 760 ألف هكتار ومن الينابيع والأنهار 208 آلاف هكتار !
وبما أن الحكومة تعرف مافعلته يداها فإنها اتخذت في العام الماضي وقبل بدء فصل ري المحاصيل الزراعية مجموعة من إجراءات الدعم للمنتجين ليس حبا بدعمهم وإنما عدم قدرتها على تحمل مسؤولية تدهور الإنتاج الزراعي بسبب المازوت !
وإذا كانت الحكومة نجحت إلى حد ما بالتعمية على السبب بإلقاء المسؤولية على الجفاف فهي غير قادرة على الإستمرار على العزف على أوتار الجفاف عاما بعد عام !
كل ذلك يؤكد أن الجفاف ليس جديدا على سورية ولا على دول المنطقة ، ولكن الجديد أن الحكومات السابقة كانت تعطي الأولوية للزراعة في حين أعطت حكومة عطري الأولوية للقطاع الخاص وسخرت جهودها لتشجيعه لكي يستثمر في الإقتصاد الريعي لاالإنتاجي مما أدى إلى تراجع الصناعة والزراعة !
ومن المفيد التأكيد – لمن نسي أو تناسى – أن الزراعة في سورية لاتعتمد على الأمطار منذ آواخر عقد ثمانينات القرن العشرين الماضي فالقسم الأساسي من الإنتاج الزراعي يأتي من المساحات المروية وليست البعلية ، ومن يشك بذلك فليراجع جداول إنتاج الأعوام الماضية !
ولم يخل خطاب واحد من خطب الرئيس الراحل حافظ الأسد من التركيز على مشاريع الري والسدود واستصلاح الأراضي وتأكيده الدائم على الحكومة لإنجازها في مواعيدها لأنها السبيل الوحيد لمواجهة الجفاف وانحباس الأمطار !
أما مافعلته وما تفعله حكومة عطري فهو تخليها عن ( اولوية الزراعة ) وتخليها عن أولوية مشاريع الري والإستصلاح فوصلت البلاد إلى ماوصلت إليه من تراجع في القطاع الزراعي مثلما حصل في القطاع الصناعي العام !
لم ترتفع حصة الزراعة في الناتج إلا قليلا خلال ثلاثة عقود من 13 % في منتصف ثمانينات القرن الماضي إلى 20 % حاليا !
وإذا بقيت الحكومة على سياساتها تجاه القطاع الزراعي فنحن على قناعة أن تحذير وزير الزراعة بأن سورية ستتحول إلى مستورد زراعي في المستقبل .. هو ماسنشهده قريبا جدا وليس في المستقبل البعيد !




















