"مع أنني لم ألتق يوماً سماحة المفتي العام للجمهورية العربية السورية الدكتور أحمد بدر الدين حسون، إلا أنني أتابع أخباره ونشاطاته ولقاءاته، وهو الذي يتمتع بقلب منفتح على الجميع ورجاحة في العقل، ويؤمن بأخيه الإنسان الأخر المختلف، ولست أجامل سماحته، بل لأني أرى فيه ذلك فعلاً، أليس هو القائل:" يجب أن نربي أطفالنا تربية سليمة على الحب لا على الحقد، وعلى الاعتراف بالشخص الآخر، الذي هو أخوه".*
ويسعدني اليوم تكرار تلك الكلمات التي كتبتها منذ نحو أكثر من عام على صفحات موقع "كلنا شركاء" والتأكيد عليها مجدداً على ذات الموقع، ليس لأنني أُجيد المدح، بل لأن شخصية محترمة وتحتل مركزاً مرموقاً في سوريا والعالم، كسماحة المفتي الدكتور أحمد حسون ليست بحاجة بالتأكيد إلى من يمتدحها.. أو يجاملها.. بل بحاجة إلى من يقف معها ويساندها فيما تطرحه من خطاب ديني متسامح حضاري متنور ومعتدل في مواجهة ما تتعرض له اليوم من حملات مغرضة تستهدف ذلك الخطاب من قبل بعض أولئك الذين يدّعون الإسلام ديناً لهم والإسلام منهم براء.
فما ظهر من تصرفات لا تمت إلى تعاليم الإسلام بصلة، وما يُرتكب اليوم من إساءات باسم الإسلام، دفعت سماحته إلى التأكيد في أحاديثه ولقاءاته على سماحة الإسلام ورحمته في التعامل مع الأخر المختلف ديناً قولاً وفعلاً كما نص عليها القرآن الكريم وأكدتها الأحاديث النبوية، تلك التعاليم التي عرفها وعايشها المسيحيون العرب منذ مئات السنين، وهي التي أبقتهم بجانب أخوتهم المسلمين يتشاركون معهم الحلوة والمرة إلى اليوم، وكيف لسماحته وهو صاحب القلب الكبير والمنفتح والمتسامح، المعتدل، الرحيم، الإنساني، أن يبقى صامتاً وهو يرى كيف يجري تشويه صورة الإسلام ووصمه بالإرهاب على أيدي بعض المسلمين الذين لم يعد يعكسون في تصرفاتهم وتعاملاتهم سماحة الإسلام ورحمته؟ لا بل كيف لأي شخص عاقل أن يبقى صامتاً تجاه ما يجري أمامه أو على مقربة منه من تكفير وقتل وذبح للأخر حتى بين أناس ينتمون لفئة واحدة..؟
مع أنني لم أكفّر أحداً يوماً، ولن أكفر بأحد، لكنني سأقول الآن كما قال سماحته عن محمداً أمام الوفد الطلابي الأمريكي : لو أن يسوع المسيح أمرني بقتل أحد من الناس لكفرت به أيضاً ولقلت له بصوت عال أنت لست ابن الله الذي قرأنا عنه في الإنجيل.وأقول لسماحته يا جبل ما تهزك ريح، رغم كل السهام التي يطلقها أولئك الذين تحجرت قلوبهم وتعطلت عقولهم، وستبقون هدفاً لتلك السهام ما دمتم تجاهدون في سبيل إعلاء روح التسامح والمحبة والإخاء والاحترام بين الناس على اختلاف مشاربهم وأديانهم ومذاهبهم، فالشجرة المثمرة دائماً تكون محط أنظار الناس، أما الشجرة العاقرة فلا أحد يهتم بها.
فما أحوجنا اليوم إلى مثل هذا الخطاب الديني المتسامح والمعتدل ودعمه في مواجهة الخطاب الطائفي العنفي الذي يسود في مجتمعاتنا. هذا الخطاب المعتدل سيساعدنا في تحرير العلاقات الإنسانية من مشاعر الكراهية ومواعظ البغضاء ومواقف العنف، ويساعدنا في نشر ثقافة قبول الآخر واحترامه، وهذا يحتاج بلا شك إلى جهود متواصلة من المتنورين تُستخدم فيها كل الوسائل التربوية والإعلامية والثقافية المتاحة بدءاً من أسفل الدرج صعوداً إلى أعلى الدرج، أي ابتدءاً من التعليم الابتدائي الأساسي وحتى التعليم العالي وأن يترافق ذلك بقيام إعلام حقيقي يشجع التفكير النقدي وإدارة حوارات حضارية والارتقاء بالعقول وطرائق التفكير، وبما يساهم في إزالة الأحكام والتصورات المسبقة عن الآخر، والسعي للتعلم والفهم عن الآخر المختلف وقبوله، ويعزز في النهاية روح التجانس والانسجام بين أبناء الوطن الذين يتشاركون معاً في هذه الأرض بحلوها ومرّها" ويعزز الوحدة الوطنية بين بنات وأبناء سورية على قاعدة المواطنة بصرف النظر عن أي انتماء سياسي أو أديني أو عرقي. وفي أن نكون أحراراً بما نؤمن ونعتقد، وفي أن نحترم إنسانية الإنسان وإن كان مختلفاً عنا.
* – من المقال المنُشور على موقع كلنا شركاء بتاريخ 7/12/2008 بعنوان "سماحة المفتي العام في سورية الموقر".




















