ليس من المبالغة في شيء القول أن حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو هي بالفعل حكومة المتناقضات، ليس فقط في المواقف حيال القضايا المختلفة وفي مقدمتها بالطبع الوضع في الشرق الاوسط والسلام مع الفلسطينيين، ولكن أيضا فيما يتصل بتركيب الحكومة وافتقارها الشديد إلى حد أدنى من التناغم أو التنسيق المستقر للمواقف وعلى نحو يمكن الاستناد إليه أو البناء عليه.
ومع أنه من المعروف أن حكومة نتانياهو هي حكومة إئتلافية جمع فيها نتانياهو بين اليمين والوسط، أي بين حزب ليبرمان «إسرائيل بيتنا» والأحزاب الدينية المتطرفة، وبين حزب العمل الإسرائيلي الذي شكل يسار الوسط على امتداد سنوات طويلة، مرورا بالطبع بحزب الليكود وأحزاب يمينية وذات أطياف متنوعة أخرى، فإنه يبدو أن نتانياهو لم يهتم بشكل كاف بتحديد الحدود والخطوط التي تسير فيها سياسات ومواقف حكومته في تفاعلها مع الأحداث والتطورات المختلفة في المنطقة، وهي تطورات سريعة ومستمرة أيضا.
وقد أدى ذلك على امتداد الأشهر الماضية إلى تباينات عديدة، وإلى خلافات في صياغة المواقف الإسرائيلية بلغت حد إثارة خلافات مع دول ترتبط بعلاقات قوية مع إسرائيل مثل تركيا، وهو ما دفع وزير الدفاع الإسرائيلي ايهود باراك إلى المسارعة بزيارة تركيا لاصلاح الضرر الذي سببه مساعدو ليبرمان خلال استدعائهم للسفير التركي في إسرائيل لمقابلتهم.
ومرة أخرى يعمد ليبرمان وزير خارجية إسرائيل، وبنفسه، إلى إثارة التوتر مع سوريا عبر استخدام مصطلح «الحرب» أكثر من مرة في حديثه عن سوريا، وقد سارع نتانياهو بنفسه إلى التخفيف من أثر تصريحات وزير خارجيته بالحديث عن رغبة إسرائيل في الحوار والسلام مع سوريا. فهل ما يقوم به ليبرمان مجرد«خروج عن النص»، أم أن الأمر ليس مصادفة، وأنه محسوب من أجل التهيئة لخطوة أو تطور ما، قد تقدم عليه إسرائيل، ولكن تحاول تشتيت الانتباه وصرف الأنظار من خلال الخلط المتعمد للأوراق، ومن جانب أرفع المستويات الإسرائيلية هذه المرة ؟
على أية حال فإنه إذا كانت دمشق قد انتبهت بشكل فوري، ورد وزير خارجيتها على تصريحات ليبرمان محذرا، وملوحا أيضا بنمط جديد من الحروب، لا بد وان تتحسب له إسرائيل جيدا وأن تفكر عشرات المرات قبل أن تقدم على أية حماقة، فإنه يمكن القول بأن هذه الحالة من التناقضات في المواقف، حتى داخل حكومة نتانياهو، قد ساعد على إظهارها خلو الساحة الشرق أوسطية الآن من جهود وتحركات مؤثرة يمكن أن تدفع بالفلسطينيين وإسرائيل إلى مائدة المفاوضات قريباً.
وحتى إذا كان نتانياهو نفسه قد أشار إلى احتمال دخول إسرائيل في مفاوضات مع السلطة الفلسطينية قريبا، إلا أن ما يمكن تسميته بالاغفال الأميركي وانخفاض درجة اهتمام واشنطن بعملية السلام في الشرق الأوسط، هو في الواقع أوضح من أن تتم عدم ملاحظته. يضاف إلى ذلك أنه يبدو أن حكومة نتانياهو تميل إلى إدخال المنطقة ككل في مناخ توتر بشكل أو بآخر خلال الفترة القادمة، وبما يخدم أهدافها ومخططاتها حيال التعامل مع الجوانب المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني، ومحاولة جس النبض على نحو أو آخر تحسبا لاية تطورات قد تحدث خلال فترة الأشهر القادمة.
ومع الوضع في الاعتبار أن أساليب جس النبض واطلاق بالونات الاختبار هي أساليب إسرائيلية معروفة، إلا أنه من الأهمية بمكان أن تتنبه الشقيقة سوريا وأن تتحسب إلى ما قد تقوم به أو تدفع إليه إسرائيل التي تبحث عن ذرائع لزيادة التوتر في المنطقة، خدمة لمصالحها في المقام الأول. ومع رفض وإدانة الاسلوب الذي استخدمه وزير خارجية إسرائيل، والذي يتسم بالعدوانية وبالاستخفاف بالمواثيق والقرارات الدولية، فإن المنطقة التي لا تحتاج أبدا إلى حرب أو حروب جديدة، على أي مستوى، او لأي سبب، تشهد الآن مساعي حثيثة لتحقيق المصالحة الفلسطينية، والانتقال بالأوضاع الفلسطينية إلى مرحلة أعلى عبر المصالحة بين فتح وحماس، وهو ما تصب فيه محادثات نبيل شعث التي أجراها في غزة مع إسماعيل هنية وقيادات فلسطينية أخرى.
عمان




















