لا يبدو ان التأثر الذي أبداه رئيس الوزراء الايطالي سيلفيو برلوسكوني امام الكنيست الاسرائيلية قادر على تعويض اسرائيل ما تخسره هذه الايام في اوساط الرأي العام العالمي نتيجة تقرير القاضي ريتشارد غولدستون في شأن الحرب على قطاع غزة. فعندما يرفع رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو ما يسميه "تأثير غولدستون" الى مستوى المواجهة مع ايران و"حزب الله" و"حماس"، فإن ذلك يدل على مدى الضرر الذي ألحقه التقرير بصورة اسرائيل في العالم.
وعلى رغم الحملة الاسرائيلية القوية على التقرير، فإن الدولة العبرية وجدت نفسها مضطرة الى التقدم برد رسمي الى الامين العام للأمم المتحدة عن ممارساتها خلال الحرب على غزة. وهذا نمط جديد من التعامل لم تكن اسرائيل معتادة عليه من قبل، إذ انها كانت تشن الحروب وترتكب المجازر من غير أن يتجرأ أحد في العالم على مساءلتها. أما اليوم فالوضع بات مختلفاً، إذ إن ضباطاً اسرائيليين ومسؤولين سياسيين ممنوعون من السفر خشية توقيفهم في دول تعتمد محاكمها صلاحية ملاحقة المتهمين بارتكاب جرائم حرب.
كما وجدت اسرائيل نفسها امام الخسارة التي تتعرض لها لدى الرأي العام العالمي، مجبرة على اعادة التحقيق في ممارسات عسكرييها خلال الحرب. وعلى رغم شكلية توجيه توبيخ الى ضابطين كبيرين لاستخدامهما الفوسفور الابيض ضد مجمع للامم المتحدة خلال الحرب، فإن قاعدة عدم المحاسبة بدأت تنكسر، ولم يعد في وسع اسرائيل ان تدعي امام العالم أن جيشها هو "الاكثر اخلاقية" في العالم بعدما حطّم غولدستون هذه الصورة.
وليست عملية التحقيق في ممارسات الجيش الاسرائيلي ابان الحرب هي الخسارة الوحيدة التي تعانيها اسرائيل. بل ان التقرير ونتائجه أضعفا كثيراً الموقف الاسرائيلي الرافض لعملية السلام او لقيام دولة فلسطينية. فوزير الدفاع ايهود باراك يحذر حكومته من انها امام خيارين لا ثالث لهما، إما التوصل الى اتفاق سلام مع الفلسطينيين، وإما تحول اسرائيل دولة ثنائية القومية تمارس سياسة التمييز العنصري على ما كان سائداً في جنوب افريقيا.
وفي هذه النقطة، ضاعف تقرير غولدستون الضغط على اسرائيل عندما أضعف حجج قادتها امام الرأي العام العالمي حين يبررون رفضهم للسلام مع الفلسطينيين، وتالياً اهتزت بوضوح صورة الضحية التي كانت تقدمها اسرائيل عن نفسها. فهي اليوم باتت متهمة بارتكاب جرائم حرب من لجنة تحقيق دولية ومن قاضٍ يهودي بالذات، مما يجعل اتهامه بمعاداة السامية أمراً غير ذي جدوى.
ببساطة، وضع التقرير اسرائيل في موقف الدفاع عن النفس بعدما كانت هي نفسها التي تقود الحرب الدعائية في العالم، وتوجه الاتهامات الى الآخرين، وهي التي تصنف هذا الطرف او ذاك بأنه ارهابي او بأنه معادٍ للسامية، الى اتهامات أخرى.
اليوم، تشهد اسرائيل تحولاً في نظرة الخارج اليها مما يجعلها مكبلة اليدين في إطلاق حرب جديدة تستخدم ما يحلو لها من اسلحة فتاكة او ارتكاب المزيد من المجازر بغية استعادة قوة ردعها و"كي الوعي" لدى اعدائها لئلا يتجرأوا على مهاجمتها مجدداً او التصدي لها. واذا بالردع الذي ادعت الحكومة الاسرائيلية استعادته عقب حرب غزة تخسر مقابله من "شرعيتها".
كثيرة هي النقاشات التي تدور في اسرائيل بحثاً عن سبل التصدي لتقرير غولدستون. ولكن بات ثابتاً ان ثمة عجزاً عن دحض ما احتواه التقرير من حقائق تدين الحكومة الاسرائيلية وجيشها. والعجز الاسرائيلي مرده أولاً الى تغير في الرأي العام الخارجي بسبب ممارسات اسرائيل نفسها. وتالياً لن يكون سهلاً تبرير الحرب وكل هذا الدمار في غزة مع استمرار الحصار والتجويع، بذريعة أن "حماس" هي التي تسيطر على القطاع.
"النهار"




















