كما في الكثير من الحالات، ينبغي البحث في السياسة الداخلية تحديداً عن الأسباب الكامنة وراء تأجيج الوضع تجاه دولة أُخرى. ليس سراً أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، وبدفع فعال من رئيس هيئة الأركان غابي اشكنازي، وبمشاركة وزير الدفاع إيهود باراك، تدعو إلى عملية سياسية مع سوريا. وفي الوقت الذي يقف فيه باراك والجيش في الجانب الأول من المتراس، لا عجب في أن أفيغدور ليبرمان يسارع للوقوف في الجانب الثاني منه ـ ولترتفع النيران قدر ما ترتفع.
يفضل الجيش الإسرائيلي العملية السياسية مع سوريا منذ أكثر من عقد، منذ الأيام التي تولى فيها باراك منصب رئاسة الأركان، بينما تولى أوري ساغي رئاسة شعبة الاستخبارات العسكرية. وفي أيام شارون، وجه الأخير عدة تنبيهات إلى رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية، أهرون زئيفي فركش، الذي قال أكثر من مرة أمام الحكومة بأن الأسد جدي في سعيه للمفاوضات. ومنذ مطلع العام 2008، عندما تلاشت المخاوف من اشتعال فوري مع السوريين بعد قصف المفاعل في دير الزور، عاد الجيش الإسرائيلي لطرح فرصة كبيرة للاتصالات مع سوريا: في تصوره، هذه الاتصالات ستحكم محور طهران ـ دمشق ـ بيروت ـ غزة، وستغير جوهرياً الوضع في لبنان.
هذا التصور يتعزز عندما يفحصون في الجيش مخاطر اشتعال المواجهة مع حزب للله. كلا الطرفين لا يريد القتال، لكن أمراً من طهران (وفقاً لتطور الأمور حول قضية البرنامج النووي والعقوبات) أو ضغطاً من مكان آخر يمكنهما، بحسب رأي الجيش، أن يدفعا نصرالله إلى المهاجمة. وعليه، فإن إخراج سوريا من اللعبة سيعزز جدا الضغوط الآيلة إلى تحييد قوة حزب الله وستوجد طوقاً من التسويات على كل الحدود.
كالعادة، يسارع ليبرمان إلى الوقف في الطرف الثاني. فهو لن يجني أي ربح من انضمامه إلى تأييد رجال الجيش وخريجيه للمفاوضات مع سوريا، وليس لديه مشكلة مع التهديدات وشحذ السيوف. فهو يحظى أصلاً بصورة "بيرومان" (Pyroman، المُصاب بهوس إشعال الحريق)، والتي كما يبدو تخدمه أمام الرأي العام المحتمل المؤيد له كما يعتقد.
في ضوء هذه المهزلة، من المثير للاهتمام تتبع التصريحات السورية. ففي مقابلة مع "نيو يوركر" قال بشار الأسد إنه قي ظل غياب الجيل القديم من السياسيين، من أمثال رابين، يبدو كثير من الإسرائيليين مثل الأولاد بينهم وبين أنفسهم ويلحقون الضرر بدولتهم. هذه الكلمات تذكرنا إلى حد كبير بما درجوا على قوله عندنا عن بشار الأسد في السنوات التي تلت خلافته لوالده: شاب، عديم الخبرة، متحمس (من نصرالله)، لا يعرف ماذا يريد. الآن بات السياسي المحنك، الذي ينظر من دمشق إلى لعبة الأولاد الغريبة للسياسة الإسرائيلية.
وضع سوريا ليس جيداً. هي تتحول تدريجاً إلى مستوردة للنفط، وتعيش بين المطرقة الأميركية والسندان الإيراني، وهي حياة غير سهلة. فيها نظام صبر على قصف المفاعل وعلى عملية تصفية محمد سليمان في طرطوس، التي نسبت إلى الموساد، وتحمل الإنزال المكشوف للقوات الأميركية في سوريا لملاحقة الارهابيين، هذا النظام لن يُشعل الحدود لأن ليبرمان قال ما قال. لكن بين ألعاب القوة السياسية عندنا وبين نوافذ الزمن الآخذة في الانغلاق على الطرف الثاني، ليس واضحاً كيف يخدم كل هذا الهراء مصالح إسرائيل.
("معاريف" 5/2/2010)
ترجمة: عباس اسماعيل
المستقبل




















