مبدأ السطو على ارض الغير وطرد اصحابها وتوطين قادمين من الشتات فكرة لها اساسها الايديولوجي وبعدها الاستراتيجي الذي يتجسد في مفهوم الاستعمار. وما ان حلت نكسة 1976 حتى سارعت اسرائيل لاستعمار/ "استيطان" ما تبقى من الارض الفلسطينية. وطبقا لاحصاءات صدرت عن وزارة "الدفاع الاسرائيلية" في تموز/ يوليو، فان تعداد "المستوطنين" اليهود في الضفة والقدس الشرقية تزايد بنسبة 5،5% خلال العام الماضي حتى وصل اربعمائة الف نسمة، اي اربعة اضعاف التعداد منذ عشرة اعوام.
ان ما يقم به "المستوطنون" من اعتداءات لا يندرج في اطار تصرفات فردية او حوادث معزولة، بل هو يلقى دعما وتشجيعا من بعض اوساط الشرطة والجيش. واشار صحافيون يهود ومؤسسات حقوقية اسرائيلية ودولية الى تصاعد الاعتداءات، وان ما يزيد على 95% منها يتم اغلاقها بدون اية محاسبة/ معاقبة للمستعمرين. وهذه سياسة يشجعها ويدعمها على المستوى الرسمي فاشيون من امثال (افغيدور ليبرمان وآفي ايتام) وغيرها من اليمين، بل توسعت كثيرا مؤخرا وتضمنت حرق مزروعات واشجار الفلسطينيين واقتحام منازلهم واطلاق النار عليهم وايضا اطلاق صواريخ على قراهم الفلسطينية. لذا، لا نبالغ ان تحدثنا عن "دولة المستوطنين" بعد ان اضحت المستعمرات ترسانات مسلحة ومستنقعا لتفريخ الفكر الارهابي وتشكيل تنظيمات تحولت الى "قوة" ضغط وعدوان "تتحدى" الحكومة الاسرائيلية!.
وفي تعليقات على حقيقة "دولة المستوطنين" يقول (كوبي نيف) في مقال بعنوان "زعران المستوطنات فوق القانون": يكفي ان يرد جندي واحد بشكل مغاير فيطلق النار على مستوطن ليكون هذا برميلا متفجرا. بداية حرب اهلية". ويضيف: "واضح انه يوجد عمليا قانونان مختلفان لليهود وللعرب، وان استخدام وسائل فرض القانون لا يتم بناء على عمل خرق القانون بل حسب قومية خارق القانون. فهم، لليهود الملثمين الذين يهاجمون الجنود والشرطة بالحجارة والسكاكين لايفعلون شيئا. اما العرب الملثمين الذين يهاجمون الجنود بالحجارة والسكاكين فيطلقون النار ويقتلون". ويختم "الحرب الاهلية بدأت منذ زمن بعيد, والمستوطنون المعربدون ينتصرون فيها". من جانبه، يقول (جدعون ليفي) في "هآرتس" في مقال بعنوان "كراهية"… سئمناهم جميعاً: "هناك اوساط واسعة في المجتمع الاسرائيلي تكره المستوطنين بالفعل. هذه ليست كراهية مجانية بلا سبب ومن اجل الكراهية ذاتها. وانما بسبب مشروعكم الاجرامي. اجل، هناك اسرائيليون لا يريدون رؤية ابناء (شعبهم) وهم ينهبون ويسلبون الكروم ويحرقون حقول وبيارات الفلاحين الفقراء, نعم هناك اسرائيليون لا يريدون رؤية المستوطنين الطواعيت الملثمين يضربون رعاة الاغنام الفلسطينيين الكهول بالعصي والهراوات. اجل هناك اسرائيليون لا يريدون ان يروا اسرائيليين آخرين وهم يقومون بثقب اطارات سيارات الجنود الذين يحرسون ويطلقون كلابهم الهائجة عليهم. اجل هناك اسرائيليون يخجلون من سكن عشرات الالاف من رفاقهم على اراض خاصة نهبت في وضح النهار وفي الظلام". اما (عاموس ايلون) فيقول في دراسة بعنوان "المشروع الاستيطاني خطأ الصهيونيين الاكبر": "اليوم اصبح المستوطنون اقوى جماعة ضغط سياسية في اسرائيل. فطوال السنوات الماضية كانوا يحصلون على الدعم عبر معونات حكومية سخية جدا.
ثابت ان سياسة اسرائيل التي تشجع على بناء المستعمرات الاسرائيلية في الاراضي الفلسطينية المحتلة والتي تعمل على "تسمينها"، تخالف القانون الدولي. فبموجب اتفاقية جنيف الرابعة المطبقة على الاراضي المحتلة، "يحظر على اسرائيل نقل المدنيين من (الاراضي الاسرائيلية) الى الاراضي المحتلة، ويحظر عليها احداث تغييرات مستديمة في الاراضي المحتلة ليست لصالح السكان المحليين". وقد طالبت عدة قرارات لمجلس الامن بان تزيل اسرائيل مستعمراتها: "مستوطناتها" من الاراضي الفلسطينية المحتلة. وفي تقرير صدر مؤخرا، قالت منظمة (هيومن راتيس ووتش) ان "المستوطنات الاسرائيلية في الضفة الغربية ليست غير قانونية بموجب القانون الدولي فقط، بل انها ايضا عقبة تحول دون استمتاع جميع السكان بحقوق الانسان بمعزل عن التفرقة بينهم بناء على اصل قومي او عرقي". وثمة التزامات مماثلة ناشئة عن كل من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وقد صادقت اسرائيل على العهدين.
حقاً، يلخص مقال (زئيف شيف) "اسرئيل من الداخل… دولتان، (شعب) واحد" حقيقة وجود ودور "دولة المستوطنين"، اذ كتب يقول: "دولة اسرائيل اقامت دولة المستوطنين غدت مجموعة ضغط سياسية قوية، في الحكومة وفي الكنيست… دولة المستوطنين تمنطقت بالسلاح، والآن هنا تخوف من ان يستخدم هذا السلاح ضد الجيش الاسرائيلي والشرطة.. وبالمقابل ادخل المستوطنون رجالهم الى الفروع الاكثر حساسية في الادارة في اسرائيل… وهكذا سيطروا على معلومات حيوية في الادارة المدنية في الاراضي المحتلة وسمحوا باعمال غير قانونية في مجال البناء وخرقوا تعليمات الوزراء". وختم بالقول" احدى النتائج هي انه في دولة المستوطنين الشرطة تخشى فرض القانون والجيش يغض النظر عن اعمال غير قانونية… ومن اجل الحصول على معلومات عن دولة المستوطنين يتعين على جهاز الامن ان يقوم بطلعات جوية خاصة باهظة الثمن لاجراء التصوير… ومنذ زمن والمستوطنون يتصرفون وكأن دولة اسرائيل هي حكم اجنبي، مثل الانتداب البريطاني في حينه… يأخذون من السلطة ما هو ممكن، يسيطرون على الاملاك والاراضي قدر الامكان, ويتجاهلون ما لا يريحهم". والحبل على الجرار!.
"المستقبل"



















