يقولون إنه في هذه المرة، ومن أجل التغيير، ستتمحور الانتخابات حول الاقتصاد وليس حول السلام والأمن. لكن لا يمكن أبدا عدم التطرق للأمن عندنا ولذلك يتحدثون عن "شبكة الأمان" للمودعين والمتقاعدين. هذا مريح للجميع. بدلا من الحديث عن تقسيم القدس ستكون تسيبي ليفني متفرغة لإبراز نقاء كفيها. من الذي يذكر الآن انها كانت تسكب الماء على يدي اريئيل شارون الذي ارسل ولده كي يمكث في السجن بدلا منه؟
الانشغال بالاقتصاد يعفي ايهود باراك أيضا من اسئلة مزعجة مثل هل أن محمود عباس شريك في السلام؟ وإذا لم يكن كذلك، فما الذي يقترحه خليفة اسحق رابين لحل قضية المناطق الفلسطينية؟ يستطيع بنيامين نتنياهو التلويح برصيده كمخلص اقتصادي بدلا من أن يوضح للناس كيف يستوي "السلام الاقتصادي" الذي يطرحه مع الاحتلال والمستوطنات.
ولكن حرف جدول الاعمال نحو "شبكة الامان" الاقتصادية لا يلزم الجيران طبعا. ففي الوقت الذي ينشغل فيه الاسرائيليون في الدعاية الانتخابية وبمناقشة "مستقبلنا الاقتصادي"، تنشغل ايران وسوريا بمستقبل اسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية. طهران ودمشق منحتا نهاية الاسبوع الماضي غطاء ورعاية لمؤتمر خاص لـ"لجنة حق العودة" الذي عقد في دمشق. اللجنة انقضت على بند اللاجئين في مبادرة السلام العربية واعلنت عن أن حق العودة هو حق فردي محفوظ لكل لاجئ وانه ما من طرف يملك صلاحية أو حق إجراء المفاوضات بشأنه.
في الوقت ذاته، وخلال مؤتمر وزراء الخارجية العرب ضمن إطار الجامعة العربية، والذي انعقد في القاهرة، وقف وليد المعلم الى يمين حماس في المواجهة مع فتح. وهو حظي بهجوم حاد من ممثل السلطة صائب عريقات بسبب ذلك. في الاسبوع نفسه صرح نائب الرئيس السوري فاروق الشرع، أن الضفة الشرقية من بحيرة طبريا كانت وستبقى الحدود بين اسرائيل وسوريا.
المملكة الاردنية، التي تُعتبر جهاز الاستشعار الحساس جدا للتقلبات الاقليمية بدأت بالاستعداد من الآن للايام العجاف. الملك عبد الله الثاني يئس تقريبا من المفاوضات الابدية بين اسرائيل والفلسطينيين وفتح بابه لقادة حماس. الملك الاردني مثل قادة عرب آخرين، يعتقد أن ايام ابو مازن ـ التي تمتد لأشهر في اقصى الأحوال ـ في الحكم قليلة. القرار النضر الصادر عن المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية باضافة اللقب "الفارغ من المضمون" باعتباره "رئيس دولة فلسطين" الى القابه الاخرى انما يؤكد ضعف الشخص الذي القى بثقله على العملية السياسية.
خلال سنة كاملة نجح أبو مازن، وبصعوبة، في اخفاء عورة وعد انابوليس. فانتقال الحكم في اسرائيل الى ائتلاف لا يؤمن بالحل السياسي للصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني، سيؤدي الى تعريته ونهجه. عندئذ لن يتمكن لقب "ملك فلسطين" او حتى الرئيس الجديد للقوة العظمى باراك اوباما، من ايقاف مسيرة انتصار حماس من قطاع غزة الى المقاطعة في رام الله. وعندما ستضطر حكومة اسرائيل الى اعادة الحكم العسكري الى هناك سيضطر دافع الضرائب الاسرائيلي للدفع من اجل اقامة شبكة امان للعاطلين عن العمل في المناطق الفلسطينية.
طالما لا تحصل عمليات انتحارية، يمكن ركوب موجة الازمة الاقتصادية ـ الاجتماعية العالمية والابتعاد عن الازمة السياسية ـ الامنية المحلية. لكن قذيفة واحدة تضيف عددا من القتلى في جنوب البلاد ستفعل للحملة الانتخابية ما لا تنجح في فعله مبادرة السلام الصادرة عن 22 دولة عربية.
انتخابات الكنيست الثامن عشر أهم من أن تهدر على اقتصاد الانتخابات. خسارة ان الناخب الاسرائيلي سيقع في اغراء "شبكة الامان" التي سينصبها له السياسيون، والتي لا تعدو كونها شبكة تمويه للمخاطر الاشد خطورة من النقص المؤقت للودائع المالية. ليس ثمة بين المتنافسين من يخفي في قبعته صيغة سحرية لترميم الثقة بسوق المال، انقاذ صناديق الاسترداد، زيادة المخصصات للأطفال وتقليص ميزانية الأمن. وكم هو عدد أصحاب حق الاقتراع الذين يعرفون الإشارة ولو الى فارق واحد في المناهج الاقتصادية للاحزاب الكبيرة؟ ذلك أنه قبل عدة ايام فقط أعطى رئيس المعارضة مباركته للخطة الاقتصادية لرئيس الحكومة. انه ليس الاقتصاد يا أحمق. إنه السلام والأمن هذه المرة، اكثر من اي مرة.
("هآرتس" 1/12/ 2008)



















