إعلان نتنياهو وباراك معا حول أهمية المفاوضات والسلام مع سوريا، ومحاولتهما التخفيف من حدة التصريح الحربي التهديدي الذي أطلقه افيغدور ليبرمان ضد سوريا، ليست سوى مناورة من مناوراتهم، فالطلقة الإسرائيلية الحقيقية قد انطلقت وخرجت، والوجه الإسرائيلي الحقيقي ينكشف مرة أخرى.
وكل المناورات والتكتيكات لا تجدي نفعا أمام الحقيقة الصارخة المدعمة بكم هائل من تراكمات المعطيات والقرائن اليومية، التي تدل كلها على أن إسرائيل تتوجه نحو حرب أخرى في المنطقة، قد تكون إقليمية أو محدودة على جبهة من الجبهات، الفلسطينية أو السورية ـ اللبنانية أو الإيرانية.
ولا شك أنها نوبة من نوبات هستيريا الحرب والعدوان، تتلبس إسرائيل بحكومتها اليمينية المتشددة في هذه الأيام، وهي في الآن ذاته هروب إسرائيلي من استحقاقات عملية السلام، المعلقة أصلا! ولكنها نوايا وخطط واستعدادات حربية عدوانية حقيقية مبيتة تعود إلى العلن مجددا.
بل هي كل هذه الحسابات معا، وإلا كيف يمكن أن نفسر هذا التصعيد الإسرائيلي الموجه لكل الجبهات، وللجبهة السورية، بل للنظام السياسي السوري بشخص رئيسه بشار الأسد حصرا؟!
فحينما يهدد وزير الخارجية الإسرائيلي ليبرمان، وخلال مؤتمر صحافي، الرئيس السوري بشار الأسد بأنه «سيخسر الحرب والسلطة إذا ما شن حربا على إسرائيل»، فإن فحوى الرسالة يغدو واضحا تماما، إذ يطلق ليبرمان هذه الرسالة ليس باسمه الشخصي، وإنما باسم الحكومة والمؤسسة الأمنية الإسرائيلية، بل إنه يفتح لنا عمليا حقيقة الملف السوري على الأجندة العدوانية الإسرائيلية.
صحيح أن بعض نواب حزب كديما المعارض أعلنوا أن «حكومة نتنياهو تلعب بالنار»، وأنها «بدلا من تهدئة الخواطر تعمل على تأجيج النار»، إلا أن حقيقة الموقف الإسرائيلي هنا هي كما وصفه وزير الخارجية السوري وليد المعلم قائلا إن «إسرائيل تسرع مناخ الحرب في المنطقة»، محذرا «كفى لعبا لدور الزعران في هذه المنطقة».
إذن، نحن أمام «حكومة زعران»، بل أمام دولة إرهاب وحروب تبيت العدوان على سوريا وفلسطين ولبنان.
وفي إطار النوايا والمخططات المتعلقة بأجندة العدوان على سوريا وتغيير نظامها السياسي، نقرأ أخطر وأوضح التصريحات الواردة على لسان أبرز أقطاب المؤسسة الصهيونية، بعبارات مكثفة هنا، وهي غيض من فيض هائل من التصريحات والمواقف الإسرائيلية في هذا السياق:
فقد كان سيلفان شالوم وزير الخارجية الإسرائيلي في حينه أعلن أن «مصلحة العالم أجمع في تغيير النظام السوري»، ثم تبعه الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز قائلا: «إن ثمة حاجة لإجراء تغييرات في سوريا»، كما دعا رئيس لجنة الخارجية والأمن في الكنيست يوفال شتاينتس آنئذ، إلى «تغيير النظام السوري»، لأن «استبدال سلالة الأسد هو مصلحة أميركية إسرائيلية».
وكان رئيس الاستخبارات الإسرائيلية السابق الجنرال اهارون فركش، قد أعلن مبكرا أن «كرسي الرئيس الأسد أخذ يهتز والنظام السوري بدأ يتفكك». وكان سيلفان شالوم أيضا قد دعا المجتمع الدولي إلى عزل سوريا، بعد احتلال العراق.
وبينما كان الباحث المستشرق المعروف غاي بخور، استخلص في رسالة موجهة للإدارتين الأميركية والإسرائيلية «أن الرئيس الأسد أصبح اليوم العامل الذي يقوض استقرار الشرق الأوسط» وأن «سوريا ضالعة في الإرهاب السني في العراق وتتدخل في العلاقة الإسرائيلية ـ الفلسطينية»، فقد دعا إلى «دراسة إمكان استعمال القوة لردع النظام السوري، لأنه بهذه الطريقة يمكن تحقيق الاستقرار في البؤر الثلاث التي تنزف دما: العراق وفلسطين ولبنان».
وكان جنرال إسرائيلي قد أفصح في لقاء مع مجلة «ديفنز نيوز» الأميركية عن «هدف إسرائيل» العاجل مؤكدا: «ان إسرائيل تدرس عملية إسقاط نظام حكم الرئيس الأسد في سوريا.. ونحن ندرس كيف يمكن تحقيق هذا الهدف باستخدام الحد الأدنى من القوة».
لتتدحرج حملة التصعيد العدواني الإسرائيلي ضد سوريا، إلى الإعلان صراحة عن ان الحرب عليها والتغيير السياسي فيها مسألة وقت فقط..!
ولذلك غدت سوريا هدفاً لحملة سيكولوجية عنيفة وتهديدات صريحة، من جانب الإدارة الأميركية البوشية أولا، لتواصلها إسرائيل حتى اللحظة.
إلى ذلك، هناك في الوثائق الإسرائيلية ما يطلق عليه «خريطة طريق خاصة بسوريا»، تهدف إلى ضربها وتفكيكها ومعها لبنان، والتفكيك هنا يعني في الجوهر إعادة تشكيل سوريا ولبنان، وتطبيعهما وفق الأجندة والمصلحة الإسرائيلية.
ووفقاً ل«خريطة الطريق الخاصة بسوريا»، فإن الإدارة الأميركية وأصدقاء إسرائيل في واشنطن يخططون ـ منذ زمن ـ لتنفيذ خريطة طريق وضعوا بنودها بإحكام، لتضييق الخناق على نظام الرئيس السوري بشار الأسد، ومحاصرته إقليميا ودوليا وسياسيا وإعلاميا واقتصادياً وعسكريا وتكنولوجياً، وصولاً إلى فرض الشروط الأميركية الإسرائيلية عليه، وهي الخريطة التي فشلوا في تحقيقها.
إذن، إن استهداف سوريا مسألة قديمة جديدة متجددة، موثقة وواضحة وصريحة وسافرة. وحيث اننا أمام حكومة إسرائيلية تتبنى اللغة الليبرمانية، لغة الحرب والعدوان والتدمير والترانسفير العنصري، ولغة أن تكون إسرائيل أو لا تكون بالمضامين الحربية الصهيونية المعروفة، وأمام حكومة حروب واستيطان وتهويد في الضفة الغربية والمدينة المقدسة..
فنحن إذن ربما نكون على أعتاب حرب تؤيدها تطورات المشهد الإسرائيلي على مختلف الجبهات. ما يستدعي من سوريا والفلسطينيين والعرب جميعا، إعادة ترتيب أولوياتهم السياسية من جديد، بما يتناسب مع إسرائيل الليبرمانية ـ النيتنياهية.
ولعله من المهم في هذا السياق أيضا، العودة دائما إلى قراءة الأجندة الإسرائيلية الخفية الحقيقية، وراء هذا التصعيد الحربي المحموم ضد سوريا..
كاتب فلسطيني
nawafzaru@yahoo.com
"البيان"




















