[الكتاب: السيميولوجيا الاجتماعية
[الكاتب: د. محسن بوعزيزي
[ الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية 2010
"السيميولوجيا الاجتماعية" عنوان كتاب للدكتور محسن بوعزيزي، يتناول في موضوعه ما في عالمنا الاجتماعي من أنسجة رمزية تضج بعلاماتها في: المدينة، الشارع. والتسميات، والرصيف، والسيارة.. وهكذا فإنّ السيميولوجيا هي فوق لسانية، تتجاوز حدود اللغة لتلازم الظواهر الاجتماعية بحثاً عن نصياتها.
ومؤلف الكتاب التونسي يرى في هذا العلم "السيميولوجيا" عيناً تهدف في بعدها الخام بعيداً عن وساطة الخطابات والتأويلات، تفعل ذلك حين تربطك بالدالّ الذي يدفع إلى معرفة الاشياء كما هي. فالطموح السيميولوجي يعانق الواقع كما هو معلق بالدالّ وما يبلغ منه دون وسيط، إلا الحدس ومقولية الباحث، كيف يردّ الناس عالمهم معقولاً؟ يفعلون ذلك بواسطة الدلالة، بما يمنحون من معنى لافعالهم وحركاتهم، ونصوصهم. إنها "مغامرة الدالّ"، فللأشياء أو الظواهر أو الأمتعة في بُعدها الخام متعتها وعبقها الخاص وجذوتها.
تنزع السيمولوجيا، في وجهها العام، إلى نسج آفاق العلامات التي يتواصل الناس من خلالها. هكذا كانت في أول تعريف فرنسي لها مع فرديناند دي سوسير. أما القراءات الأميركية التي توارثت سيميائية بيرس، فقد أعطت أهمية مخصوصة للعلامة داخل الحياة الاجتماعية. مع ذلك، تظل دروس سوسير لحظة معرفية تأسيسية مهمة. لكن السيميولوجيا لم تصبح منهجاً في التحليل وحقلاً من الحقول المعرفية الإنسانية، إلا مع رولن بارت في "محاولاته" النظرية التجريبية. ورغم ما أنجز حتى الآن، فإنّ المعرفة السيميولوجية ما تزال في مداخلها الاولى، ما دامت مرتبطة في جهازها المفاهيمي بالمعرفة اللسانية. وما لم نتخط بجسارة حدودها اللغوية المكتوبة للتعلق بالمجال الاجتماعي الرمزي. والرمز صوت خفي، يُطوى على كافة الناس، إلا من تعلق به وراوده من أهل الاختصاص، أو أدركه بالسليقة من "العامة" لأنه باطني، كامن، فهو في باب الكتابة يتطلب تدقيق نظر ليصل إلى الغامض.
وترتبط السيميولوجيا باللسانيات في أربعة مفاصل أساسية يختزلها رولان بارت استناداً إلى فرديناند دي سوسير، كالتالي:
ـ اللغة والكلام: اللغة مؤسسة اجتماعية، ونسق من القيم، لها بنية قارة ثابتة، حازمة، عكس الكلام الذي يتكوّن من عدد لا متناه من الامكانات الملفوظة. والكلام فعل فردي، دائم الحركة بحسب المتكلم. واللغة تعاقد اجتماعي تؤخذ برمتها إذا رمنا تحقيق التواصل. هذه الانساق المغلقة المكتفية بذاتها، وهذه اللغة التي لا كلأ فيها، لا حياة فيها، ولا حركة، سوى المنطق والقواعد.
ـ أما في الدّالّ والمدلول: فالمدلول مفهوم يشير إليه الدالّ فلا يفصح عنه إلا من خلاله، لأنه مستواه المادي، ولكن الدال أساسي في المقارنة السيميولوجية، إذ تقضي عملية تصنيف الدوال ضمن علاقات تركيبية الى بناء العلامات. وهذا في حد ذاته مفصل مهم من مفاصل الجهد السيميولوجي. باختصار فإن الدال وسيط لمدلول يقبع خلفه. والعلاقة بينهما العلامة.
المركب والجدول: يبنى المركب على التمفصل. ودونه لا يكون حمّالاً للمعنى. هذا المعنى الذي ينشأ من تنسيق وحدات الظاهرة المدروسة، ينظر الى المستوى التركيبي باعتباره المحور الأفقي للظاهرة (الجمع بين السرير والطاولة والخزانة)، أما المستوى الجدولي فيمثل المحور العمودي (مختلف أنواع الأسرة مثلاً). في العلاقة التركيبية ينشأ المعنى من العناصر المعزولة متى تلاحمت، اما البردايغم، فالمعنى فيه متولد من العلاقة مع العناصر الغائبة.
الدلالة الذاتية والدلالة الايجابية: هي كما تشير الدلالة الذاتية الى المعنى الحرفي، المباشر، الواضح، أو البديهي، الذي قد لا يحتاج الى الكثير من عناء التأويل لبلوغه، اذ هو قائم في النظام الأول من الدلالة، ترد العلامة دالاً لها، فتمنح مدلولاً اضافياً، لعله من غير المنصف النظر الى الايحاء بصفته دلالة مضافة الى ما يفترض انه دلالة ذاتية، أو تصريحية، اذ هو في صلب عملية توليد الدلالة، أو لعله مركزها.. سندها الأول، خاصة في سياقات كثرت فيها التعبيرات الاستعارية، حتى وإن كانت صامتة كالصورة والحركة واللون.
لقد تناول هذا الكتاب الظاهرة الاجتماعية تناولاً علامياً، ينتقل بنا من العلامة اللسانية الى العلامة الاجتماعية. هذا المرور أو هذا الانتقال، يشرّع إمكانية التزحلق في المجال الاجتماعي الى المجال الاجتماعي الرمزي، ساعدت على بلوغه المقاربة السيميوسوسيولوجية، بما فيها بحث في منطقة التقاطع بين السيميولوجيا والسوسيولوجيا. هذه الرؤية المنهجية جعلت الباحث يقظاً الى ما يحيط بنا من نصيّات اجتماعية نسكنها وتسكننا دون أن نبنيها، أي دون تعيين مختلف العلاقات القائمة بين عناصرها، فلا يراها نصاً، بل عناصر متفرقة لا رابط بينها. واليقظة تردُّ الباحث قلقاً، متأهباً تأهباً يحوّله قارئاً لما يراه وما لا يراه من علامات ظاهرة وخفية، فيتورط في دروب جديدة ومسالك وعرة ، لكنها مثيرة، ما كان له ان يتقاطع معها دون نهج علمي ينطلق من تجليات الاجتماعي، ليعانق ما فيه من كمون.
مراجعة: ياسين رفاعية
"المستقبل"




















