لا تكشف استطلاعات الرأي ما يثير الدهشة في إسرائيل، إذ تعِد حزب «ليكود» وزعيمه بنيامين نتانياهو بمزيد من الشعبية لدى الإسرائيليين، وتعد بمكافأة تطرفهما بمزيد من المقاعد في الكنيست. وإن كان السبب المباشر لرفع أسهم الحزب وزعيمه، يكمن في عبور الأزمة الاقتصادية العالمية بأقل الأضرار، وتثبيت هدوء للدولة العبرية تعتبره استثنائياً، لا يمكن إهمال لغة التهويل بحروب على إيران وسورية ولبنان و «حزب الله» و «حماس»، في مخاطبة الشارع الإسرائيلي الذي ازداد تطرفاً وعدائية منذ الحرب على غزة. وهذه الحقيقة تقرّ بها منظمات يهودية غير حكومية.
مشروع الدولة اليهودية يعتبر أمضى أسلحة «ليكود» في مواجهة معارضة كسولة، فيما مشروع الدولة الفلسطينية يسجل تقهقراً بعد آخر، ويؤجله الانقسام بين «فتح» و «حماس» الذي يكاد ان يكون مرضاً عضالاً، يستولد أمراضاً مستعصية.
ولا جديد بداهة يبرر مجدداً نعي كل جهود الوساطة بين الشقيقين اللذين صنع الحداد بينهما، ما لم يصنعه نتانياهو ولا باراك وأولمرت. ولا يغري، في المقابل الاكتراث بشعبية «ليكود» وزعيمه، لكن تزامن استطلاعات الرأي الإسرائيلية الأخيرة مع شهادة شبان فلسطينيين في الضفة الغربية، اعتقلوا واعترفوا بتبني فكر «القاعدة»، مؤشر الى فداحة ما يرتكبه الفلسطيني – وأي عربي – في حق أي قضية، يعلن انه استل سيف الشهادة من أجلها، فإذا بشقيقه ضحية له.
في شهادة أولئك الشبان، وهم طلاب في الجامعة الأميركية في جنين، خزنوا متفجرات، أن «القاعدة» هي البديل من «فتح وحماس الكافرتين». فهذا أولاً مؤشر الى «شعبية» الحركتين اللتين يترعرع الفكر التكفيري في كنف حربهما البسوس، وسيجر الفلسطينيين الى مزيد من الاقتتال. الأخطر من ذلك، ان التعاطف مع «القاعدة» وتمني بعض اليائسين من نفق الصراع الفلسطيني – الفلسطيني والصراع مع إسرائيل، رفْعَ راية مبايعة التنظيم، كفيلان بمنح نتانياهو ولصوص الأرض والتاريخ في فلسطين، الفرصة السهلة للإجهاز على ما بقي من حلم… بالأمل.
فرصة أخرى لانتظار المصالحة الفلسطينية؟ تنتظر «حماس» تعديل الورقة المصرية لتوافق ما تشتهي سفنها، وإلا…
فرصة أخرى لاحتمال انطلاق المسار التفاوضي مع إسرائيل؟ فترة التجريب لاختبار النيات السيئة لنتانياهو في المفاوضات غير المباشرة مع السلطة، قد تنقلب فخاً لمحمود عباس الذي يستثمر «ليكود» كل فرصة لاغتيال سمعته ورصيده السياسي. الفخ ذاته سيحيي لغة التخوين بين الفلسطينيين، لذلك كانت مفترضة اولوية المصالحة، على الأقل لتتجاوز «فتح» و «حماس» معضلة التشكيك بشرعية بقاء عباس في الرئاسة، بعد انتهاء ولايته.
مشكلة الشعبية أكثر إلحاحاً من أزمة الشرعية؟!… هذه لم تستثنِ الصحافة والصحافيين، ليكتمل طوق الفوضى والالتباسات بين ما هو سياسي وما هو إعلامي، والتراشق بالخطابات «الهابطة». هل البديل نعي الإعلام الفلسطيني شهيداً لحرب البسوس؟
هي خطابات هابطة ام عقول منحدرة، تفسح في المجال لخلايا التكفير، تستيقظ على ضجيج فضائح الانحطاط؟
هو عهد الانحطاط في أسوأ أشكاله، لا يفرّق بين عربي وعربي. بيروت الستينات كانت تنتظر قصاصة من صحيفة في فلسطين، لاستنهاض الهمم مع مَن يواجهون العدو بأيدٍ عارية. في بعض صحافة الفلسطينيين اليوم، قتل لوجدان حلم، بسلاح الشتائم، أو بلعنات تُصَب على الفاسدين.
يحدث ذلك وفلسطينيو غزة المشردون بين الخيَم في القطاع، يائسون حتى من ان يلعنوا الظلام. لم تعد تهمهم شعبية المصالحة، ولا ضمير غولدستون… أيدٍ عارية، كثير من الأَعلام والأنفاق، ربما تفلِح محاولة لتهريب الحلم.
الأولوية للمصالحة، الشعبية للهمم الهابطة… لا أحد يكترث بمصير غزة، وصمتها الرهيب بعد عاصفة الحرب. يشمت نتانياهو وباراك، مشعل يطلب المصالحة في موسكو، وزعيم «الجهاد» رمضان شلح يطلب المواجهة، من طهران.
بين قصر محمود أحمدي نجاد ومنزل اسماعيل هنية مسافة طويلة، هي المسافة ذاتها بين الفلسطيني المنكوب بالعقول الهابطة وضياع الحلم.
في فلسطين حلم أقل، أنفاق أكثر، ضائعة بين شعبية نتانياهو وطموحات نجاد.
"الحياة"




















