حسنا فعل الرئيس الفرنسي إيميل ماكرون في دعوته الرئيس السوري أحمد الشرع لزيارة فرنسا، وهي خطوة مهمة اتخذتها باريس تجاه السلطة السورية الجديدة، وسابقة متقدمة على الأوروبيين والأمريكيين معا. وكما هي العلاقات الدولية قائمة على المصالح واغتنام الفرص، فقد كان هم باريس التموضع بين بريطانيا وألمانيا، حيث الأولى لديها علاقات مهمة مع الحكم الجديد، قبل الوصول إلى السلطة، والثانية تسير مع الأتراك في خطواتهم في سوريا. وإذا كانت هذه الزيارة ليست مفاجئة، باعتبار أن الدعوة تم تقديمها للرئيس أحمد الشرع من قبل ماكرون في مؤتمر دعم سوريا في 13 فبراير/ شباط الماضي، فهي أيضا لم تكن من باب الصدفة. فالبدايات الفرنسية دائما شكلّت عبر التاريخ نقطة دخول لصالح سوريا إلى الساحة الأوروبية، ثم الانفتاح بين الطرفين الغربي والسوري على بعضهما بعضا.
ولو عدنا بالذاكرة إلى الوراء مع حدث اليوم، لوجدنا أن التاريخ يُعيد نفسه، حيث استقبل الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك، رئيس النظام السوري المخلوع بشار الأسد عام 2001 وتبعته أوروبا. لكن بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، قطعت فرنسا علاقاتها بدمشق وتبعتها أوروبا، ثم عادت سوريا إلى الساحة الأوروبية عام 2008 عن طريق البوابة الفرنسية أيضا.
البوابة الوحيدة لكسب الشرعية، التي يمكن أن يعتمد عليها الشرع، هي البوابة الداخلية أولا، حيث يمنحه الشعب السوري الشرعية، التي تعززها العلاقات الدولية والتواصل الناجح مع العالم الخارجي
لا شك أن فرنسا في سعيها هذا لإعادة سوريا إلى المسرحين الأوروبي والأمريكي ليس عفويا، بل هي تسعى لتحقيق مصالحها السياسية والاقتصادية، فعودة نفوذها إلى أية بقعة في العالم، جزء مهم من استراتيجيتها، التي تعززت اليوم بعد خروجها خالية الوفاض من الساحة الافريقية، وتوترت علاقاتها بشكل غير مسبوق مع الجزائر، وبالتالي لم يعد أمامها إلا التركيز على تعزيز نفوذها في منطقة الشرق الأوسط، خاصة أنها لا ترغب في أن يُترك الرئيس التركي رجب طيب أردوغان كلاعب وحيد في الساحة السورية، حيث ما زال التنافس بينهما قائما في هذه المنطقة، ومناطق أخرى من العالم. وقد لاحظنا كيف أنها نجحت في المساهمة في توقيع اتفاق بين حزب الله في لبنان وإسرائيل، واليوم هي تحاول أن تفتح الأفاق أمام النظام السياسي الجديد في سوريا، وتدفع الأوروبيين والأمريكيين للتواصل معه من خلالها، حيث لها قدم السبق في الانفتاح على النظام الجديد، فهي الأولى في زيارة دمشق بعد سقوط بشار الأسد، وهي الأولى في فتح سفارتها في دمشق، واليوم هي الأولى في استقبال الرئيس السوري في باريس. وهذا سوف يفتح البوابة الأوروبية في 27 دولة أمام سوريا الجديدة، غير أن هذه الزيارة لا تعني في أي حال من الأحوال، أن الفرنسيين سيمنحون الرئيس الشرع كل ما يُريد، وقد صرّح بذلك وزير الخارجية الفرنسي في تعليقه على الزيارة قائلا، (نحن لا نمنحه شيكا مفتوحا وسنحكم عليه بناء على أفعاله)، أي أن هناك مطالب غربية عليه أن ينفذها، وربما يمكن القول إن التقييم الغربي للنظام السوري الجديد سوف يعتمد على ثلاثة عناصر، ضمانة سوريّة على مكافحة الإفلات من العقاب، مشاركة كاملة في التصدي لتنظيم الدولة الإسلامية، والحد من العنف الطائفي. وقد رد الرئيس الشرع على هذه المطالب قائلا، (أعتقلنا الخارجين عن القانون، وشكّلنا لجنتين الأولى للتحقيق في الحوادث، والثانية لإستعادة السلم الأهلي والتواصل مع المجتمعات المتضررة)، وأردف قائلا، (ناقشنا التعاون في مكافحة الإرهاب على الأراضي السورية، مع تقييم مساهمة فرنسا في هذا الشأن). وكل هذه رسائل سورية مهمة لفرنسا وللاتحاد الأوروبي والمجتمع الدولي أيضا، يؤكد فيها أن النظام الجديد في سوريا سيكون جزءاً من المنظومة الدولية، وسيلتزم بالقانون الدولي، وسيمتنع عن التدخل في شؤون الدول المجاورة. والأهم من كل ذلك هو ما يريده المجتمع الغربي، من أن سوريا ستكون جزءا فعالا في التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب والتطرف في سوريا.
ومع ذلك فإن الوضع في سوريا لا يمكن لفرنسا وحدها أن تأخذ فيه زمام المبادرة، فاللاعبون الدوليون والإقليميون كُثر، فهناك الولايات المتحدة وروسيا، وهناك إسرائيل وتركيا والسعودية وقطر والإمارات أيضا، وكل هؤلاء لديهم مصالح يريدون تحقيقها على الأرض السورية، وقد تتقاطع هذا المصالح، أو تتناسق، وما يهم الشعب السوري والسلطات الجديدة هو تحقيق مصالح سورية أولا، من خلال تنسيق الدعم في الشؤون الإنسانية، وتقديم العون الاقتصادي، وتخفيف بل رفع العقوبات المفروضة على الشعب السوري منذ النظام السابق. ويقينا أن الأولوية التي يبحث عنها الرئيس أحمد الشرع في فرنسا، هي أولوية سياسية وعسكرية وأمنية، لانه لا يمكن تحقيق الرخاء المجتمعي، من دون وجود قوة صلبة تعتمد عليها الدولة في بسط الأمن وتحقيق السلام، والضرب على أيدي الخارجين عن القانون، والتصدي للتهديدات الخارجية. ويمكن لفرنسا المساعدة في تحقيق ذلك، حيث لديها نفوذ قوي في المنطقة الشرقية من سوريا، سياسيا وعسكريا مع قوات «قسد»، وحتى اقتصاديا، من خلال شركاتها النفطية في هذه المنطقة، كذلك لفرنسا نفوذ تاريخي وعلاقات واتصالات مع الطائفة العلوية في سوريا، ويمكنها من خلال ذلك أن تساعد في استتباب الأمن في منطقة الساحل السوري، إضافة إلى إمكانية التأثير على إسرائيل، والوقوف موقفا فاعلا بالضد من العمليات الإسرائيلية جنوب غرب سوريا.
إن الطلب من النظام الجديد بسط سيطرته على كامل التراب السوري وهم كبير، لانه لا يملك الوسائل اللازمة للقيام بذلك، خاصة من ناحية تسليح الجيش السوري الجديد. فكل البنى التحتية العسكرية التي كانت قائمة في البلاد والأعتدة قد تم تدميرها مؤخرا من قبل إسرائيل، في حين توجد قوات «قسد» غير الحكومية بآلاف العناصر، ولديهم أحدث المعدات والعجلات العسكرية والعتاد على الأرض السورية. كما أن هناك فصائل مسلحة توجد في الجنوب السوري، تم تسليحها مؤخرا من قبل بعض القوى الخارجية، كل هذه القوات المسلحة خارج سيطرة الدولة، وكل هذا السلاح لا تحتكره الدولة، فكيف يُطلب من السيد الشرع ضبط الأمن والسلاح المنفلت؟ كما أن الحديث عن أن البوابة الفرنسية أو غيرها من النوافذ الخارجية، هي التي تعطي الشرعية للرئيس الشرع وحكومته، إنما تلك أضغاث أحلام، فالبوابة الوحيدة لكسب الشرعية والتي يمكن أن يعتمد عليها الشرع، هي البوابة الداخلية أولا، حيث يمنحه الشعب السوري الشرعية، التي تعززها العلاقات الدولية والتواصل الناجح مع العالم الخارجي. أما زياراته الخارجية فهي للسعي لإقناع الدول الغربية بأنه قد حان الوقت لرفع العقوبات عن شعبه، تلك التي فرضوها على النظام السابق، لكن أضرارها مست الشعب وليس النظام.
كاتب عراقي
- القدس العربي

























