مع أن الذكرى الخامسة لاغتيال الرئيس رفيق الحريري لم تختلف عن سابقاتها من حيث استعادة ساحة الشهداء الحشد الشعبي الكبير، تجاوز الاهتمام بيوم 14 شباط هذه السنة، أكثر من أي وقت مضى، "عدّاد" الحشود الى الرسالة السياسية "المركبة" التي أطلقتها قوى 14 آذار في المناسبة – الأم لنشأتها ووسط ظروف التسوية التي يضطلع بالجانب الرئيسي منها رئيس الوزراء سعد الحريري بحكم موقعه الرسمي والسياسي.
ويمكن القول إن قوى 14 آذار التي خضعت لاختبار بالغ الدقة شكلا ومضمونا في ضوء ما تعرضت له من خضات ومتغيرات بعد الانتخابات النيابية الاخيرة التي استردت فيها الاكثرية، قدمت امس مشهدا متوازنا بين عرض القوة الشعبية والتمثيلية من جهة والحفاظ على موجبات التسوية الداخلية وكذلك التسوية اللبنانية – السورية من جهة أخرى.
واذا كانت تقديرات الاعداد والحشود في لبنان غالبا ما تثير انقسامات شبيهة بالانقسامات السياسية لارتباطها بالتوجهات والانتماءات اكثر منها بالحسابات العلمية المتجردة، فان المعيار الذي قيست به أعداد المشاركين في يوم 14 شباط 2010 تركز على قدرة قوى 14 آذار على الحشد وسط زمن التسوية، باعتبار ان الحشد في زمن المواجهة غالبا ما يكون أسهل نظرا الى صعود العصبيات وفعل الشعارات الحادة. وتبعا لذلك، نجحت قوى 14 آذار في استقطاب الحشد الكبير أمس واستعادة مشهد عشرات الألوف في وسط بيروت.
أما من الناحية السياسية، فلم يغب معيار التوازن نفسه عن كلمات الخطباء الاربعة في الذكرى، الرئيس الحريري والرئيس أمين الجميل والرئيس فؤاد السنيورة ورئيس الهيئة التنفيذية لحزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع. وهو توازن جمع بين التشديد على ثوابت "انتفاضة الاستقلال" ومبادئها ومواقفها وابراز موجبات المرحلة الجديدة ومصالحاتها ومتغيراتها، ولو تفاوتت سقوف الخطب والتعبير عن هذه المواقف بين خطيب وآخر.
واتخذت كلمة الرئيس الحريري بعدا اساسيا، ذلك انها المرة الاولى يتوجه فيها الى قواعد 14 آذار بصفة كونه رئيسا للوزراء وزعيما سياسيا لقوة أساسية في هذا الفريق. وقد عكس هذا البعد بميزان دقيق بين "اليد الممدودة" و"لبنان أولا". وصارح الحريري الحشد بأن هناك "مرحلة جديدة" يمر بها لبنان لا بد من مواجهتها بروح "الوحدة الوطنية" وبابقاء البلد "على خريطة المصالحات الدولية"، مشددا في الوقت عينه على ان "لا عودة الى الوراء" في معركة السيادة والحرية والاستقلال. وقال: "بروح من الوحدة الوطنية نواجه المرحلة الجديدة ونمد يدنا للتعاون من أجل بسط سلطة الدولة والقانون وبهذه الروح وضعنا لبنان على خريطة المصالحات الدولية". واذ أوضح أن زيارته لدمشق "كانت جزءا من نافذة كبرى فتحها خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز"، أضاف: "انني بكل صدق وصراحة ومسؤولية أمين على ابقاء هذه النافذة مفتوحة والشروع في بناء مرحلة جديدة من العلاقات بين لبنان وسوريا من دولة سيدة حرة مستقلة الى دولة سيدة حرة مستقلة". إلا أنه أعلن ان شعاره سيبقى "لبنان أولا"، قائلا: "قبل خمس سنوات خرج شعب لبنان من القمقم ولن يرضى بأن يعود اليه (…) ووطننا لن يعود ساحة وديموقراطيتنا لن تبقى مباحة ومستقبلنا نصنعه بأيدينا وبقرارنا وبحريتنا".
وفي المقابل أبرز الخطباء الآخرون العناوين الاساسية في المعركة السياسية وخصوصا من حيث "العلاقات الندية" مع سوريا وضرورة حصر السلاح في يد الدولة.
وطالب الرئيس الجميل بعلاقات ندية مع سوريا تقتضي "خطوات واضحة ومحددة في الزمن لبت الملفات العالقة التي تشكل انتقاصا من سيادة الدولة"، لافتا الى "أن التجارب السابقة مع سوريا هي خير دليل على أحقية مخاوفنا".
كما أعلن الرئيس السنيورة "اننا لا نقبل ان يفرض علينا أحد رأيه بالارغام او من طريق السلاح"، وطالب: "ألا يجري التعطيل باسم الاصرار على التوافق في كل شيء" داخل الحكومة، متطلعا الى "وضع حد نهائي لمسلسل الاغتيال السياسي".
ودعا جعجع من جهته "قادة الفريق الآخر الى اتخاذ قرار وطني جريء يقضي بالموافقة على وضع امكاناتهم العسكرية في تصرف الدولة اللبنانية وقرار السلم والحرب في مجلس الوزراء من دون سواه". واعتبر ان "بقاء أي سلاح خارج مؤسسات الدولة بات يشكل عبئا لا قدرة للبنان واللبنانيين على تحمله وقد يستجلب اعتداءات خارجية".
جنبلاط
وفي ظل هذه الاجواء رصدت الاوساط السياسية باهتمام طريقة مشاركة رئيس "اللقاء الديموقراطي" النائب وليد جنبلاط والحزب التقدمي الاشتراكي في الذكرى.
فقد حضر جنبلاط مع الحريري الى ضريح الرئيس رفيق الحريري حيث وضع اكليلين من الزهر، ثم غادر مكان الاحتفال وبقي ابنه تيمور واعضاء "اللقاء" كما رصدت مشاركة بارزة لمناصري الحزب في الذكرى.
وفي تعليق أول له على مجريات الذكرى قال جنبلاط بعد الظهر عن مشاركة الاشتراكيين: "لكل شخص الحق في ان يعبر عما يريد". واوضح انه اتفق مع الحريري على "ان اذهب مع الوزراء الحزبيين وابني (تيمور) ليشارك لانها المرة الاولى يحضر فيها احتفال 14 شباط". ووصف خطاب الحريري بانه "كان شاملا وموضوعيا" لكنه ابدى تحفظه تكرارا عن شعار "لبنان اولا".
بري
وفي ردود الفعل الاخرى، أبدى رئيس مجلس النواب نبيه بري ارتياحه الى مضمون كلمة الحريري وقال ردا على سؤال لـ"النهار": "الحقيقة لم أتمكن سوى من سماع كلمة الرئيس الحريري وهي في المناسبة جيدة وتمتاز بالايجابية ولا سيما عندما اكد ضرورة التوافق الدائم في لبنان".
عون
ورأى رئيس "تكتل التغيير والاصلاح" العماد ميشال عون الذي يزور قطر "ان التحول في الخطاب السياسي في ساحة الشهداء في مناسبة 14 شباط يشكل رضوخاً للتحولات السياسية الحاصلة وهي قناعات الضرورة". لكنه قال ان "المواقف التي اطلقت عن سلاح "حزب الله" انما تنم عن عدم وعي كامل"، متسائلا "ما هو الضمان الذي يقدمه لنا من يطالب بوضع سلاح المقاومة في تصرف الدولة أمام احتمال اجتياح اسرائيل للبنان؟".
"حزب الله"
ولاحظت مصادر قريبة من "حزب الله" ان "ثمة فارقاً بين مضامين خطاب الرئيس الحريري وخطب حلفائه الثلاثة". وقالت لـ"النهار" ان "الرئيس الحريري سعى في خطابه الى تكريس جسور مع المرحلة الجديدة التي بدأ العمل على بنائها قبل اشهر وخصوصا لجهة حديثه عن النافذة المفتوحة في العلاقة مع سوريا، بينما بعض حلفائه وبالتحديد الرئيس امين الجميل وسمير جعجع سعيا الى العمل لنسف هذه الجسور ولا سيما منها جسور الحوار الوطني الداخلي التي ينبغي العمل على تعزيزها". واضافت ان "الاحتفال لم يقدم اضافة جديدة تذكر الى الرئيس الحريري وخصوصاً على المستوى الداخلي".
"النهار"




















