عقد اجتماع ثلاثي في أنطاليا التركية يوم “15 مايو 2025″، جمع وزراء خارجية “تركيا (هاكان فيدان)، وسورية (أسعد الشيباني)، والولايات المتحدة (ماركو روبيو).
كان الهدف الرئيسي من الاجتماع مناقشة قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب برفع العقوبات عن سورية، بالإضافة إلى بحث خارطة طريق للمرحلة المقبلة.
وبحسب مصادر مطلعة خلال الاجتماع، ناقش الوزراء تفاصيل رفع العقوبات وسبل بناء علاقة إستراتيجية بين سورية والولايات المتحدة، ووصف وزير الخارجية الأمريكي الاجتماع بأنه فرصة تاريخية لسورية، لكنه أكد أن الطريق سيكون طويلاً، كما ناقش الاجتماع موقف تركيا من ” قوات سوريا الديمقراطية “، حيث أكد وزير الخارجية التركي أن بلاده لم ترَ بعد أي خطوات من جانب” قسد ” لتنفيذ اتفاقها مع الحكومة السورية، مشدداً على أن تحقيق الاستقرار في سورية، يتطلب حكومة شاملة وقوات مسلحة شرعية واحدة، إضافة إلى ذلك، كشفت وثيقة أوروبية أن مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي” كايا كالاس اقترحت مزيداً من التخفيف للعقوبات الأوروبية على سورية، للسماح بتمويل وزارتين سوريتين للعمل في مجالات إعادة الإعمار والهجرة، ومن المتوقع أن يناقش وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي العلاقات مع سورية في اجتماع ببروكسل الأسبوع المقبل.
يمثل اجتماع أنطاليا الأمني بين وزراء خارجية أمريكا وتركيا وسورية، “نقطة تحوّل مهمة” في العلاقات الدولية المتعلقة بسورية، خاصةً مع التحركات الأمريكية والتركية والأوروبية نحو إعادة تقييم سياساتهم تجاه دمشق.
وبحسب مصادر متعددة على مادار في هذا الاجتماع، فإنه تم الحديث فيه عن السلام في المنطقة بشكل عام، وكان المحور الرئيس للاجتماع الثلاثي، هو محاربة تنظيم داعش ومساعدة الحكومة الجديدة في تولي هذه المهمة؛ لذلك تم وضع الإطار التقني والآليات التنظيمية لمحاربة تنظيم داعش، من خلال تنسيق مشترك بين الولايات المتحدة وتركيا، وسورية، والأردن، والعراق. وركز الاتفاق على أهمية تولي الحكومة السورية إدارة سجون عناصر داعش بدلاً من قوات قسد، ووضع آليات الانتشار العسكري في قواعد عسكرية في الجزيرة السورية، بالإضافة إلى الحديث حول تطبيق اتفاق دمشق مع قسد في 10 مارس 2025م.
وأهم ما تسرّب عن الاجتماع، أنه سيجري تسوية ملف شرق الفرات بوسائل دبلوماسية، وبدفع مشترك من الولايات المتحدة وتركيا، ضمن مقاربة مشابهة للسياسات التركية تجاه الأحزاب الكردية داخل أراضيها. وبموجب هذا التفاهم، ستبقى سورية دولة واحدة، وعاصمتها دمشق، ولن يكون هناك أيّ سلطة موازية، أو نظام فيدرالي أو كونفدرالي، ولا إدارة جغرافية مستقلة. وإنما سيتم اعتماد نمط من اللامركزية الإدارية في مناطق الأغلبية الكردية، يتيح مشاركة الكرد في القوى الشرطية، وأولوية في التوظيف ضمن مؤسسات الدولة في مناطقهم، خصوصاً في بلدات وقرى ريف الحسكة، وريف حلب (كوباني وعفرين)، ومنطقة الشيخ مقصود داخل حلب.
كما يتضمن الترتيب النظر في الحقوق الثقافية واللغوية والمدنية والسياسية ضمن الدستور الدائم، إضافة إلى فتح ملف التجنيس للسوريين الأكراد عديمي القيد، وهي أزمة من مخلفات النظام البائد.
يُعَدّ اجتماع أنطاليا الأمني “حدثاً مفصلياً” في المشهد السوري، نظراً لتأثيره المحتمل على العلاقات الدولية والتوازنات الداخلية. ونستطيع هنا أن نقرأ بعض التأثيرات المحتملة لهذا الاجتماع:
- فكّ العزلة السياسية عن دمشق:
رفع العقوبات الأمريكية وإعادة تقييم السياسات الغربية تجاه سورية، قد يؤدي إلى إعادة دمج سورية في النظام الدولي، ما يفتح الباب أمام مزيد من التعاون الدبلوماسي والاقتصادي، وهذا قد يساهم في تخفيف الضغوط الداخلية، وإعطاء دمشق هامشاً أكبر للمناورة سياسياً
- تعزيز فرص المصالحة الوطنية:
إذا ما استمرّ دعم الحكومة السورية دولياً، فقد تظهر “فرص أكبر للحوار الداخلي” بين القوى السياسية والمجتمعية المختلفة، خاصة إذا رافق ذلك تحركات واقعية لإنهاء النزاعات الداخلية وبناء مؤسسات أكثر شمولاً
- التأثير على الوضع الاقتصادي:
رفع وتخفيف للعقوبات والدعم الاقتصادي الدولي سيسهم بشكل كبير في تحريك عجلة الاقتصاد السوري، وخصوصاً إذا تم السماح بتمويل قطاعات إعادة الإعمار، ومع ذلك، فإن مدى استفادة الشعب السوري من هذه السياسات يعتمد على آلية توزيع الموارد داخلياً.
- إعادة ضبط التوازنات العسكرية:
موقف تركيا المتشدد من ” قوات سوريا الديمقراطية “، وتصريحاتها بشأن وجود قوات مسلحة شرعية واحدة في سورية، قد تعني مزيداً من الضغوط على الولايات المتحدة للتخلي عن دعم هذه القوى العسكرية غير النظامية، مما يرسم ملامح جديدة للحل الأمني والميداني في البلاد.
- مستقبل العلاقات الإقليمية:
توافق تركي–أمريكي–سوري ( بدعم سعودي قطري) يمكن أن يدفع نحو مسار دبلوماسي جديد في المنطقة، خصوصاً فيما يتعلق بالعلاقة مع إيران وروسيا، هذه التحولات في العلاقات قد تؤثر بشكل إيجابي على ملف اللاجئين، وإعادة الإعمار، والملف الأمني
هذه التطورات قد تعطي زخماً جديداً لجهود المصالحة التي تقوم بها الحكومة السورية، خاصة فيما يتعلق “ببناء هوية سورية موحدة تتجاوز الانقسامات السابقة”.
- مستقبل قسد:
يبدو أن اجتماع أنطاليا الأمني قد حمل “تداعيات كبيرة” على مستقبل “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، خاصة فيما يتعلق بإعادة هيكلة دورها في سورية.
ولعلّ أبرز التأثيرات المحتملة:
- تقليص النفوذ العسكري لقسد: فقد أكد وزير الخارجية التركي “هاكان فيدان” أن قسد لم تنفذ البروتوكول الموقّع مع دمشق، مشدداً على ضرورة تفكيك بنيتها العسكرية وتسليم أسلحتها للحكومة السورية. وفي حال نفذت الولايات المتحدة تعهدها لتركيا والحكومة السورية فإن هذا سيؤدي إلى ضغوط متزايدة على قسد لإنهاء وجودها العسكري في شمال شرقي سورية
- دمج قسد في مؤسسات الدولة: حسب ما تسرب عن اجتماع أنطاليا فقد تمت مناقشة جدول زمني للانسحاب الأمريكي من شمال شرقي سورية، إلى جانب دمج قسد في مؤسسات الدولة السورية بشكل كامل، ونقل إدارة “سجون داعش” إلى الحكومة السورية، هذا قد يعني تحولاً جذرياً في وضع قسد، حيث ستصبح جزءاً من الهيكل الرسمي للدولة بدلاً من كونها قوة مستقلة.
- تعديل الإعلان الدستوري المؤقت: هناك مطالب كردية بإدخال تعديلات على الإعلان الدستوري المؤقت لضمان حقوق الأكراد في سورية، وهو ما سيكون محل نقاش بين الحكومة السورية وممثلي قسد، ونجاح هذه المفاوضات قد يسهم في إعادة تعريف دور قسد سياسياً داخل سورية
- موقف الولايات المتحدة: الولايات المتحدة، رغم دعمها السابق لقسد، تواجه ضغوطاً تركية، عربية وسورية لتقليص نفوذها، وهو ما دفعها إلى طلب نقل إدارة سجون داعش إلى الحكومة السورية كجزء من جهودها لتعزيز الاستقرار في المنطقة، هذا قد يكون إشارة إلى تغيّر في السياسة الأمريكية تجاه قسد.
- مستقبل العلاقة مع تركيا: تركيا ترى في قسد “تهديداً لأمنها القومي”، ولذلك تدفع باتجاه تفكيك الهياكل العسكرية التابعة لها، خصوصاً بعد إعلان حزب العمال الكردستاني حل نفسه نهائياً. إذا تم تنفيذ هذه الخطوات، فقد يؤدي ذلك إلى تحولات كبيرة في العلاقة بين قسد وتركيا ، وربما إلى إعادة ترتيب التحالفات الإقليمية.
يبدو أن هذا الاجتماع قد وضع “أسساً جديدة” لمستقبل قسد، حيث تواجه خيارات صعبة بين الاندماج في الدولة السورية أو مواجهة مزيد من الضغوط العسكرية والسياسية.
والسوريون جميعاً اليوم وبدون استثناء مع كل خيار سياسي عادل يحافظ على وحدة سورية، ويمنح حقوق المواطنة، والتوزيع العادل للثروة، ويؤسس لدولة يعيش فيها جميع السوريين بحقوق مواطنة متساوية، وشعور حقيقي بالانتماء، وفي إطار الهوية السورية الجامعة.
- كاتب سوري


























