على مدى العقود الأخيرة، تصاعد الجدل في الساحة الأوروبية حول مفهوم “الانعزالية”، خاصة في ظل تزايد التوترات المتعلقة بالهجرة والتعدد الثقافي. وقد اكتسب هذا المفهوم بعدًا سياسيًا بارزًا، تحديدًا إثر خطاب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في أكتوبر 2020، حين طرح مصطلح “الانعزالية الإسلامية” باعتباره تهديدًا للقيم الجمهورية الفرنسية.
هذا الطرح تجاوز الإطار الأمني أو التعليمي، ليُجسد رؤية الدولة لهويتها وحدود التعددية، كما قدّم تصورًا أكاديميًا جديدًا للانعزالية باعتبارها إشكالية مركّبة سياسية وثقافية. وبحسب ماكرون، تعني “الانعزالية الإسلامية” إنشاء مجتمع موازٍ يرفض القيم الوطنية، ويسعى لفرض معاييره الخاصة في المجال العام، ما يُعدّ تهديدًا للوحدة الاجتماعية والثقافية في البلاد.
من هذا المنطلق، لم تعد الانعزالية مجرد انسحاب طوعي عن الفضاء العام، بل تحولت إلى تموضع واعٍ ومواجهة رمزية مع الدولة. وقد يُنظر إليها كإستراتيجية جماعية لتعزيز الهوية الخاصة، وتجنب الذوبان في السياق الوطني، كردّ فعل على شعور بالتهميش أو التهديد.
غير أن هذا الخطاب لا يخلو من إشكالات أيديولوجية، إذ يخلط بين التدين المحافظ والانفصال السياسي، وبين الخصوصية الثقافية ومعاداة الدولة، مما يؤدي إلى خلط غير عادل بين التعددية الطبيعية والعزلة المرضية. بذلك، تتحول “الانعزالية” من حالة اجتماعية إلى أداة لضبط الأقليات وتكييفها وفق النموذج الوطني الموحّد، أكثر من كونها محاولة لفهم أو إدماج حقيقي.
للعودة إلى جذور الفكر الأقلوي، يلفت الكاتب اللبناني أمين معلوف في كتابه “الحشاشون” النظر إلى تجربة الإسماعيليين النزاريين الذين عُرفوا بالحشاشين، بوصفهم أقلية عقائدية وجغرافية واجهت خطر الفناء عبر التنظيم المغلق والسرية.و يرى أن الفكر الأقلوي ليس اختيارًا حرًا، بل آلية دفاعية لحماية الذات من هيمنة الأكثرية، تقوم على الانغلاق، والحفاظ على الذاكرة الجماعية، والولاء الداخلي.
وقد وصفهم بأنهم “كيان نفسي يعيش في حالة حصار دائم”، مما ساعدهم على تطوير أدوات معقدة للتكافل والتمويه وتثبيت الهوية. هذا النموذج يبرز في واقع أقليات اليوم، التي تخشى الانصهار وتسعى للحفاظ على “صفائها الهوياتي”، وترفض الاندماج الكامل خشية فقدان خصوصياتها الثقافية والدينية.
ليخلص إلى قوله : ” لم تكن القلاع مجرد حجارة، بل حصون لروحٍ خائفة، تحوّلت من عقيدة مضطهدة إلى طائفة تحتمي بعزلتها.”
ويمكن ملاحظة أن الكثير من الأقليات عبر التاريخ اختارت الجبال كملاذ للخصوصية والأمان، وهو خيار فرضته الطبيعة، ثم رسّخته السياسة، وتحول لاحقًا إلى هوية ثقافية. المفارقة أن الجبل، الذي مثّل حماية، قد يتحول إلى عزلة تحدّ من التواصل مع المجتمع الأكبر.
والمؤرخ كمال صليبي يشير في كتابه “تاريخ لبنان الحديث” إلى أن الدروز في جبل العرب طوروا نمطًا خاصًا من الحكم الذاتي بفضل الجغرافيا الوعرة وتماسكهم الداخلي. وينطبق الأمر كذلك على الأكراد الذين عانوا التهميش في الدول المركزية، فحافظوا على وجودهم في مناطق جبلية تمتد من تركيا إلى إيران. أما العلويون”النصيريون”، فقد تعرضوا لاضطهاد طويل منذ العصر العباسي، خصوصًا بعد انهيار الدولة الحمدانية، مما اضطرهم إلى اللجوء للجغرافيا الصعبة كوسيلة للبقاء.
أما في السياق الأوروبي الحديث، حيث تعيش الأقليات (دينية، عرقية، ثقافية) حالة من القلق الوجودي. فالدولة تطالب بـ”الاندماج”، بينما تشعر الأقليات بأن هذا الانخراط قد يهدد خصوصيتها. إنها معضلة: إما الذوبان الذي قد يعني التنازل عن جزء من الهوية، أو الانعزال الذي يُقرأ سياسيًا كتهديد للوحدة الوطنية.
لذا، يصبح تمسك الأقليات برموزها الثقافية والدينية ردًا على شعور بالإقصاء أكثر من كونه رفضًا للمجتمع. وكلما زاد الضغط لفرض نموذج اندماجي موحّد، زادت حدة المقاومة الثقافية من الجماعة. وربما تصل حدود العنف.
ويتعمّق تعقيد الموقف حين تُختزل الجماعة في صورة “الطائفة” المنغلقة، التي تُصوّر ككيان يقوم على ولاء داخلي مطلق يتجاوز الانتماء الوطني، ما يجعلها تبدو كتهديد لبنية الدولة الحديثة ومبادئها الوطنية أو الديمقراطية. وهذا الاختزال لا ينشأ من فراغ، بل يتغذّى من روايات تاريخية مشحونة، ومن نزعات مركزية تسعى إلى فرض نموذج واحد للهُوية والانتماء. وعندما تُقدَّم الجماعة بهذه الصورة النمطية، تتحوّل تلقائيًا إلى “آخر جماعي”، مشكوك في نواياه، ومُتَّهَم بعدم الاندماج، ما يُسهّل تبرير تدخل الدولة تحت شعار “مكافحة الانعزالية” أو “حماية القيم الوطنية”.
لكن هذا التدخل غالبًا ما يكون علاجيًا شكليًا، يُعالج الأعراض دون التطرق إلى الأسباب العميقة للانغلاق، مثل الإقصاء السياسي، والتهميش الاجتماعي، أو السياسات الثقافية الأحادية التي لا تعترف بالتعدد داخل الكيان الوطني. وهكذا، بدلًا من تفكيك أسباب التوتر، يُعاد إنتاجه، حيث يُدفع أفراد الجماعة نحو مزيد من التقوقع، كرد فعل على محاولات المحو أو الضغط، في دائرة مغلقة من سوء الفهم والتوجس المتبادل، يُفاقمها الإعلام والخطاب السياسي.
في الختام، فإن الخطاب حول الانعزالية، كما تطرحه الدولة، هو أداة سياسية لتنظيم العلاقة بين المركز والهامش، بين من يُعدّ “وطنيًا” ومن يُعتبر “خارجيًا”. وفي المقابل، يُعبّر الفكر الأقلوي عن خوف عميق من الانصهار والاندثار، وهو خوف مشروع في كثير من الأحيان، حين يُغفل الاختلاف ولا يُحتضن التنوّع.
- كاتب سوري

























