دمشق ـ «القدس العربي»: يعاني الكثير من الموظفين السوريين من تأخر قبض رواتبهم، حتى أن قسما منهم لم يقبض راتب شهر تموز/ يوليو الجاري، في مشهد يتكرر كل شهر، وسط حالة استياء زادها سوءا التضخم الذي انعكس على لأسعار السلع الأساسية.
ويأتي ذلك، رغم تعاميم أصدرها مصرف سوريا المركزي ووزارة المالية، للإسراع في تسليم الموظفين رواتبهم بداية كل شهر، مع تحريك توطين رواتب جانب كبير من الموظفين من المصارف الرسمية مثل «العقاري» و«التجاري السوري» إلى تطبيق برنامج «شام كاش» الذي كان معتمدا في محافظة إدلب قبل سقوط نظام بشار الأسد.
توحيد الأجور
ومع إصدار رئيس المرحلة الانتقالية في سوريا أحمد الشرع في 22 حزيران/ يونيو الماضي مرسوما زيادة الرواتب بمعدل 200 ٪ للعاملين المدنيين والعسكريين في القطاعين العام والمشترك، باستثناء من كان يتقاضى راتبه من حكومة الإنقاذ (محافظة إدلب) باعتبار أن رواتب هؤلاء أعلى بأضعاف من رواتب باقي العاملين في المحافظات السورية، زاد التفاؤل ببدء انتهاء مرحلة تفاوت الرواتب، إذ كان الموظف من الدرجة الممتازة في دمشق وباقي المحافظات يتقاضى في الشهر ما يعادل نحو 50 دولارا ويتقاضى باقي الموظفين ما يعادل أقل من 40 دولارا، بينما تتراوح الرواتب والأجور في إدلب ما بين 150 ـ 1000 دولار، حسب القطاع وطبيعة العمل.
وتشهد كوات ومنافذ وفروع المصرفين العقاري والتجاري الحكوميين حتى الآن ازدحاماً كبيراً نتيجة التأخر في تسليم الرواتب ما يشكل ضغطاً كبيراً على الصرافات.
وأكد مصدر لـ«القدس العربي» أنه يومياً يتم تغذية هذه الصرفات بحدود 4 مليارات ليرة، لكن هذه السيولة ليست كافية لتغطية كافة رواتب الموظفين خلال فترة قصيرة.
وأصدر وزير المالية الشهر الماضي قراراً تضمن مواعيد زمنية محددة لتسليم الموظفين رواتبهم عبر تخصيص يوم لكل وزارة أو اثنتين لتفادي الضغط الكبير على الصرافات، إلا أن هذا التعميم لم يتم تطبيقه مع نهاية الشهر الماضي، مع توقعات بأن ينفذ اعتباراً من نهاية الشهر الحالي.
الرواتب عبر «شام كاش»
المصدر المصرفي أوضح أن تحويل رواتب الكثير من الموظفين ليستلموها عبر تطبيق «شام كاش» كان بهدف تخفيف الضغط عن الصرافات، لكن العملية تقتضي أنه وبعد إيداع الراتب في حساب الموظف على التطبيق، يعمد هذا إلى تحويله إلى شركة «الهرم» أو «الفؤاد» للصرافة للحصول على راتبه، مشيراً إلى أنه سيتم قريباً تحويل رواتب موظفين آخرين إلى التطبيق ذاته ضمن خطة لإحالة جميع رواتب موظفي الدولة والإبقاء فقط على رواتب المتقاعدين في صرافات العقاري والتجاري.
منافذ المصارف تشهد ازدحاماً كبيراً
وفسر المصدر أسباب تأخر تسليم الرواتب بأن الأمر متعلق بكل وزارة حيث يتلقى المصرفان الحكوميان شيكا من الجهة التي تريد أن تقبض الرواتب لموظفيها ويتم تحويلها بناء على ذلك، والمواطن يحق له أن يسحب من الصراف الآلي 500 ألف ليرة فقط أسبوعيا سواء كان موظفاً أم غير ذلك، ومن لديه حساب كبير في الصراف يجد صعوبة في سحب المبالغ إلا في حال أراد أن يسحب المبلغ بشكل يدوي أي عبر شيك، ولكن حتى هنا فالأزمة خانقة في فروع المصارف كما أن عدم توفر السيولة هو الجواب الحاضر دوما.
موظفون مستاؤون
ويثير تأخير قبض الرواتب والأزمة الشديدة على الصرافات استياء الموظفين الذين يضطرون للوقوف فترات طويلة لتحصيل رواتبهم أو حتى الاستعلام إن تم تنزيلها أم لا.
محمد وهو موظف في وزارة المالية، يقول إنه لا مبرر لتأخير الرواتب بهذا الشكل، متسائلاً إذا كانت المشكلة في نقص السيولة فليتم توضيح ذلك للموظفين وخصوصاً أن هذه المعاناة تتكرر شهرياً وفي كل شهر يكون هناك تفاؤل لدى الموظفين أن يتقاضوا رواتبهم في الوقت المحدد وهذا لا يحدث.
زهير، وهو موظف في وزارة الاقتصاد أكد أن المشكلة ليست في تأخير تقبيض الرواتب بل المسألة أكبر من ذلك، وهو أن هناك العديد من الموظفين سحبوا قروضا من المصارف الحكومية وهم ملزمون في كل بداية شهر أن يسددوا قسطا لهذا القرض، وبالتالي فإن البنك من الممكن أن يتخذ إجراء معينا في حال تأخر المقترض في سددا القسط، لافتاً إلى أنه كل شهر هناك تخوف عند هؤلاء الموظفين المقترضين، علماً أن التأخير لا يتحمل مسؤوليته الموظف.
وبينت عفاف، وهي موظفة في وزارة الطاقة، أنها كل يوم منذ بداية الشهر، تقف على الدور أمام الصرافات الآلية للاستعلام عن راتبها وتظل على هذه الحال أكثر من أسبوع لأنه لا يوجد اتصال مباشر مع المحاسبين الماليين وبالتالي فإن الموظفين يجبرون على الوقوف أمام الصرافات للاستعلام عن رواتبهم وهذا بحد ذاته يشكل مشقة عليهم.
تأخير غامض
مرسوم رفع رواتب عمال الدولة الذي استثنى أقرانهم في إدلب ممن يخضعون لقانون العاملين الأساسي لحكومة الإنقاذ قبل سقوط نظام الأسد، نص على احتسابها في الشهر الذي يلي صدور المرسوم أي نهاية حزيران لكن ذلك لم يتم، ليخرج وزير المالية محمد يسر برنية ويصدر تعليمات تنفيذية يؤكد فيها أن صرف الزيادة ستكون في الأسبوع الأخير من الشهر الحالي، ما أثار موجة من الانتقادات الكبيرة حول الموضوع.
وعلقت مصادر مصرفية على ما خرج به الوزير وقالت إن التعليمات التنفيذية غامضة ويجب أن يحصل الموظف على زيادة الشهرين السابع والثامن أيضاً، خصوصاً أن الموظفين يتقاضون رواتبهم عن شهر لاحق أي وبالعرف السوري موظف الدولة يقبض راتبه ثم يعمل، أما في القطاع الخاص فيختلف الأمر ويحصل الموظف على راتبه عن كل شهر يعمله.
واعتبرت المصادر أن عدم حصوص الموظفين على الزيادة في هذا الشهر مخالفة واضحة وخصوصاً أن المرسوم نشر في الجريدة الرسمية بعد صدوره، مطالبة وزير المالية أن يوضح الأسباب التي أدت إلى هذا التأخير.
وأثار مرسوم الزيادة استياء العديد من الموظفين الذين يخضعون لقانون العاملين الأساسي لحكومة الانقاذ في إدلب وخصوصاً من المعلمين الذين تعتبر أجورهم قليلة، فهم يتقاضون ما بين 150 إلى 200 دولار شهرياً، وخصوصاً بعد انتشار أخبار عن تخفيض رواتبهم، فخرجت موجة من الاحتجاجات حول هذا الموضوع، ما دفع وزير التربية محمد تركو للخروج والتأكيد بأنه لن يتم تخفيض رواتب المعلمين في إدلب وأن ما يتم العمل عليه حالياً هو توحيد الرواتب في سوريا تجنباً للفوارق بين الرواتب.
الخبير الاقتصادي والاستاذ الجامعي حسن حزوري أكد أنه كان من المفترض أن تصرف زيادة الرواتب في الشهر الحالي تنفيذاً للمرسوم الرئاسي وخصوصاً أن المرسوم كان واضحاً ولا يحتاج إلى تفسير، معتبراً أن التعليمات التنفيذية الصادرة عن الوزارة فيها غموض.
وفي تصريح لـ«القدس العربي» قال إنه حتى مع هذه الزيادة مازالت هناك فوارق ما بين موظفين الدولة وما بين الموظفين الذين يخضعون لقانون العاملين الأساسي لحكومة الانقاذ قبل سقوط نظام بشار الأسد، ضارباً مثلاً بأن راتب الاستاذ الجامعي مع الزيادة وصلت إلى مليون ونصف المليون ليرة أي بما يعادل 150 دولارا شهرياً، في حين رواتب اساتذة الجامعة في إدلب أو عزاز في ريف حلب الشمالي تتراوح ما بين 600 إلى ألف دولار، علماً أن الكليات الجامعية الموجودة في عزاز هي فرع من جامعة حلب.
وحول موضوع التأخير في تقبيض رواتب الموظفين، اعتبر حزوري أن هناك أسبابيا غامضة غير مفسرة، متسائلاً: إذا كانت القضية حبس سيولة فلماذا لا يتم توضيح ذلك؟ مشيراً إلى أن التعاميم الصادرة عن وزارة المالية والمصرف المركزي لا تنفذ، ومن هذه المنطلق، فإنه يتم إصدار فقط تعاميم من دون تطبيقها على أرض الواقع.
وأشار إلى أنه تم تحويل رواتب بعض الموظفين على برنامج «شام كاش» ومنهم استاذة الجامعات، لافتاً إلى أن البرنامج يوجد فيه بعض الخلل، معرباً عن استغرابه من أنه لماذا لا يتم تحويل الرواتب عبر البنوك بدلاً من هذا التطبيق، وخصوصاً أن شركتي الحوالة المعنيتين في تقبيض الرواتب أي الهرم والفؤاد، تقبضان الموظفين عملة مهترئة إضافة إلى أن العمولة التي تتقاضهما مرتفعة وهي 5 بالآلاف.
- القدس العربي


























