باريس – “القدس العربي”:
حذّر المؤرخ الفرنسي البارز جان بيير فيليو، في مقال رأي نشرته صحيفة لوموند تحت عنوان: “لماذا لا تعرف إسرائيل إنهاء حرب؟”، من أن إسرائيل لا تضع حدًا لحروبها بمبادرة ذاتية، بل تنهيها فقط تحت ضغط خارجي، غالبًا من الولايات المتحدة. وقال فيليو، الأستاذ في معهد العلوم السياسية في باريس، إن سجل إسرائيل العسكري يُظهر أن معظم الحروب التي خاضتها استمرت لسنوات، ما لم تتدخل قوى خارجية لفرض وقف القتال.
واستعرض فيليو تاريخ نشأة إسرائيل في أعقاب الحرب التي استمرت أقل من ثمانية أشهر بين عامي 1948 و1949، والتي انتهت بانتصار الجيش الإسرائيلي على خمسة جيوش عربية. وقال إن أكثر من نصف السكان العرب في فلسطين تم تهجيرهم خلالها، ولجأ العديد منهم إلى قطاع غزة. وأشار إلى أن محاولة إسرائيل التوغل في الأراضي المصرية قوبلت بضغط أمريكي أدى إلى وقف إطلاق النار، وهو ما اعتبره أول تدخل خارجي ناجح لإنهاء حرب إسرائيلية، وأساسًا لتشكّل “قطاع غزة” ككيان منفصل.
وأوضح فيليو أن إسرائيل كانت المستفيد الأكبر من الحروب القصيرة، مثل العدوان الثلاثي عام 1956 الذي خاضته بالتحالف مع فرنسا وبريطانيا ضد مصر، قبل أن تُجبرهم الولايات المتحدة على الانسحاب. وكذلك “حرب الأيام الستة” عام 1967 التي انتهت باحتلال مساحات واسعة من الأراضي العربية. وأكد أن الانتصارات السريعة لإسرائيل غالبًا ما كانت تنتهي بتدخلات دبلوماسية تضع حدًا للمعارك قبل تحولها إلى أزمات أوسع، كما حدث في حرب أكتوبر 1973، حين تدخلت واشنطن لمنع الانهيار العربي الكامل ولتفادي تدخل سوفييتي مباشر.
وأشار المؤرخ الفرنسي إلى أن أول انسحاب إسرائيلي من لبنان عام 1978 جاء بضغط أمريكي، بينما جاء الانسحاب الثاني عام 2000 بقرار أحادي بعد 18 عامًا من القتال، وخلّف وراءه حزب الله كخصم أقوى وأكثر تجذرًا. وعلى النحو ذاته، جاء الانسحاب من غزة عام 2005 لينهي خمس سنوات من الانتفاضة الفلسطينية الثانية، دون أي اتفاقات أو تفاهمات سياسية. وحذر من أن هذه الانسحابات الأحادية زرعت بذور عدم الاستقرار، حيث اندلعت “حرب الثلاثة والثلاثين يومًا” في لبنان عام 2006، ولم تتوقف إلا بعد تدخل فرنسي-أمريكي مشترك.
وتناول فيليو سلسلة الحروب التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة منذ عام 2007، عقب سيطرة حركة حماس على القطاع، مؤكدًا أنها كانت مواجهات مدمرة تنتهي عادة بوقف إطلاق نار هشّ برعاية مصرية وضغط أمريكي، دون أي حوار مباشر بين الطرفين. واعتبر أن هذه الحروب المتكررة تُشكل تناقضًا مع الانتفاضة الفلسطينية الأولى، التي قادت إلى مفاوضات مباشرة وفتحت الباب أمام عملية سلام حقيقية.
واتهم فيليو رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو باستخدام الحرب على غزة كأداة سياسية للهروب من محاكمات الفساد التي تلاحقه. وأشار إلى أنه يُضخم من تأثير هجمات 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 على المجتمع الإسرائيلي، في حين يُهمل ملف الرهائن، ويُفضّل تصعيدًا عسكريًا يدفع ثمنه المدنيون في غزة.
وأضاف أن نتنياهو تخلّص من الأصوات المعارضة للحرب داخل حكومته، وأقال وزير الدفاع وكبار الجنرالات في خريف 2024، قبل أن يشنّ هجومًا على إيران في يونيو/ حزيران 2025، لم ينتهِ إلا بعد تدخل أمريكي مباشر.
واختتم المؤرخ الفرنسي مقاله بالتأكيد على أن الحرب المستمرة على غزة، والتي دخلت شهرها الثاني والعشرين، لا تملك أي أفق واضح للحل. وقال إن التجربة التاريخية تثبت أن إسرائيل لا تُقنع بوقف الحرب، بل تُرغم على ذلك عبر ضغوط دولية قوية، مشيرًا إلى أن هدنة قادمة – إن حدثت – ستكون على الأرجح هشّة ومؤقتة، ما لم يُمارس ضغط حقيقي على الحكومة الإسرائيلية لوقف القتال.
- القدس العربي


























