لم تكن الدولة السورية، منذ أن تشكّلت بوصفها جمهورية، سوى مزيج من الاحتباس الاجتماعي والتوتر المؤجّل، كما لم يكن أي انهيار مجتمعي وليد السنوات الأربع عشرة الماضية، وإنما كان نتيجة عقودٍ من نفي الذات المجتمعية، حيث خضعت الهويات المتنوعة لسياسات الصمت والتدجين، وتحوّل الخوف من السلطة إلى ممارسة يومية مقنّنة، حتى صار جزءاً من سلوك الحياة العام.
في المقابل أُهملت التحذيرات المتصاعدة منذ منتصف التسعينيات بشأن التدهور الاقتصادي، وتفكك الطبقة الوسطى، واحتقان الهويات المحلية، ما جعل الانفجار الاجتماعي اللاحق نتيجة منطقية لسلسلة طويلة من الإنكار البنيوي.
لم يكن المجتمع السوري يوماً مُفعلًا بصفته الذاتية، فقد كان دائماً يعيش تحت جلد السلطة، أو في ظلالها، وما يبدو اليوم كحالة تفكك، هو في حقيقته انكشاف، انكشافٌ لمجتمع لم يُمنَح فرصة التشكل الطبيعي، بقدر ما خضع لعمليات تشكيل قسري، جعلت الولاء هو الرابط الوحيد، والخوف هو الضامن الأخير.
ترّسخت هذه الهشاشة خلال عقود لاحقة بفعل تآكل الطبقة الوسطى، وغياب ثقافة النقاش العمومي، وعدم قدرة السوريين على بناء مؤسساتهم الوسيطة، ما جعل المجتمع معرّضاً للانكسار مع كل أزمة..
تتجذّر الهشاشة المجتمعية في سوريا في غياب تقاليد راسخة للمجال العام، وهي مشكلة تعود إلى بدايات التكوين الجمهوري بعد الاستقلال عام 1946، حين تعاقبت خمسة دساتير خلال أقل من ثلاثة عقود دون أن تنتج تقاليد دستورية مستقرة أو عقداً اجتماعياً متوافقاً عليه.
إنّ الدولة الوطنية الحديثة في سوريا نشأت كما أشار الباحث السوري إلياس مرقص، دون أن تمر بمسار تحديث اجتماعي مواكِب، فبقيت علاقات القرابة والطائفة والريفية تتحكّم بآليات التمثيل، وتحول دون نشوء مجتمع مدني مستقل عن السلطة أو متقدّم على البنى التقليدية.
وقد ترّسخت هذه الهشاشة خلال عقود لاحقة بفعل تآكل الطبقة الوسطى، وغياب ثقافة النقاش العمومي، وعدم قدرة السوريين على بناء مؤسساتهم الوسيطة، ما جعل المجتمع معرّضاً للانكسار مع كل أزمة، وغير قادر على تأطير نفسه حول سردية وطنية واحدة أو شبكة مصالح متقاطعة.
في قلب التحوّلات التي عمّقت هشاشة المجتمع السوري، تبرز مأساة النخب الوطنية التي فشلت في أداء دورها التاريخي كجسر بين المجتمع والدولة، فقد أُنهكت النخبة السورية في لحظات مبكرة من مسار الجمهورية، بين الانقلابات المتتالية وسرعة التحولات والتضييق المتصاعد على الفضاء السياسي.
ومع تآكل الحياة الحزبية والفكرية المستقلة، فقدت النخبة أدواتها التعبيرية، وتحوّلت تدريجياً من فاعلٍ منتِج للمعنى إلى طبقة عالقة بين خطاب سلطوي متغوّل، وقواعد اجتماعية لم تتكوّن لديها تقاليد المشاركة في إنتاج الخطاب العام، ولا تصوّر فعليا لدور الكلمة في صياغة المصير المشترك، هذا الانكسار الرمزي كان تراجعاً في الموقع التاريخي للنخبة كحامل لمشروع جامع، وتحوُّلها إلى هامش صامت.
في السياق ذاته، لعبت الطبقة الوسطى دوراً حاسماً في تشكيل بنية الهشاشة، فحين تكون الطبقة الوسطى قوية، تُنتج التوازن وتمنح المجتمع مجالاً للنقاش والتفاوض وتداول المصالح ضمن أطر سلمية.
لقد شهدت هذه الطبقة تقلصاً متواصلاً منذ منتصف السبعينات، بفعل سياسات الترييف الاقتصادي والامتيازات الزبائنية، ما أفقدها مركزيتها الرمزية والوظيفية، وقد أدى هذا الانكماش إلى غياب الضامن الاجتماعي الوسيط، فاختل التوازن بين أطراف المجتمع، وانهارت القدرة على ترسيخ قيم التعدد والاعتراف.
لم تكن الطبقة الوسطى في سوريا فقط شريحة اقتصادية، بل كانت حاضنة لمفاهيم الاعتدال والانتماء المتعدد، وحين ضعفت تراجعت معها القدرة على إنتاج المعنى، وصيانة المجال العام من التفكك.
من أبرز ملامح الهشاشة المتجذرة في البنية السورية، الغياب المزمن لفكرة “المصلحة العامة” كقيمة مؤسسة للعيش الوطني، فالمجتمع لم يختبر في أي مرحلة من تاريخه الحديث، مفهوم الدولة بوصفها صيغة تنظيمية لخدمة الجميع، بل تَشكّل وعيه السياسي حول السلطة كأداة نفوذ، والموقع العام كفرصة خاصة.
لم تُبنَ مؤسسات المجتمع السوري حول قيم الاعتراف والتشارك، بل حول منطق التكيّف والانكفاء، ما جعل الفضاء العام ضيقاً ومشوَّهاً، وعاجزاً عن احتضان الاختلاف دون توتر أو انقسام..
وقد أسهم هذا الوعي في ترسيخ انقسام خفيّ بين المجالَين الخاص والعام؛ الأول يُدار بمنطق الحماية والقرابة والانضباط الداخلي، والثاني يُنظر إليه كمساحة مريبة، مؤقتة، لا يمكن الوثوق بها أو الاستثمار فيها.
وفي ظل هذا الفصام بين المواطن والمؤسسة، ضَعُف الإحساس بالانتماء إلى الكل، وتقدّمت الهويات الدنيا على الانتماء الوطني من موقع البحث عن أمان بديل في فضاء هشّ لا يوفر ضمانات، إن غياب المصلحة العامة بوصفها قيمة داخل المخيال الجماعي السوري، كان تراكماً تاريخياً لعجز المجتمع عن تحويل التجربة الوطنية إلى ميثاق وجداني يربط بين الناس بصفتهم شركاء.
على المستوى النفسي والاجتماعي، يبدو المجتمع السوري وكأنه لم يعرف يوماً معنى “التوازن الداخلي”، الهشاشة هنا ترتبط بتراكم طويل من العلاقات المأزومة بين الأفراد والجماعات، حيث تسود ثقافة الحذر والشك والتقوقع حول الذات، نعم فالمجتمعات التي تعجز عن تطوير أشكال من الحوار بين مكوّناتها، تفقد بمرور الزمن القدرة على إنتاج هوية جمعية مرنة، وتتحول إلى كيانات هشة تقوم على موازين خوف متبادل.
لم تُبنَ مؤسسات المجتمع السوري حول قيم الاعتراف والتشارك، بل حول منطق التكيّف والانكفاء، ما جعل الفضاء العام ضيقاً ومشوَّهاً، وعاجزاً عن احتضان الاختلاف دون توتر أو انقسام.
ما يُضعف المجتمعات حقاً هو عجزها عن تخيّل ذاتها خارج أزمتها؛ حين لا تعود قادرة على رؤية نفسها في صورة أفقٍ مشترك، أو في ملامح مستقبل يمكن التوافق عليه، هناك، حيث تتعطّل القدرة على التخيّل، تبدأ الروابط بالذبول، وينكمش المجال العام حتى يُصبح مساحة شكّ متبادل.
- تلفزيون سوريا



























