إسرائيل التي تريد السلام والأمن معاً شرط أن يكون ذلك لها دون غيرها وهي تقوم في هذه الأيام بخطوات سريعة لتغيير معالم المدينة المقدسة والاستحواذ على أوسع مساحة من الأراضي وأكبر عدد من العقارات فيها فقد نشرت وسائل الإعلام قبل أسبوعين أنباء عن مصادقة دائرة التخطيط والبناء في بلدية القدس على تشييد أربعة مبانٍ سكنية لليهود حسب تصريح أدلى به رئيس الدائرة ستيفن ميللر الذي ذكر أن المباني تلك تقع قرب مدرسة "بيت أوروث" التلمودية في القدس الشرقية وأنها ستضم أربعة وعشرين مسكناً بحسب المشروع الذي أطلقته عائلة رجل الأعمال اليهودي الأميركي ايرفينغ موسكوفيتش من أجل تهويد القدس الشرقية وفي نفس الوقت الذي ترفض فيه البلدية إصدار رخص للبناء على الأراضي التي يملكها العرب من أهل القدس توافق على القيام بحفريات في البلدة القديمة وفي قرية سلوان المجاورة وتسمح كذلك بحفر انفاق تحت المسجد الأقصى وبناء متحف على أرض مقبرة ماميلا كما تقوم ببناء كنيس يهودي على بعد عشرات الأمتار من المسجد الأقصى المبارك مؤكدة نواياها المبيتة تجاه الأوقاف بشكل عام.
أما بالنسبة للأوقاف المسيحية فالهجمة تأخذ شكلاً آخر نظراً لطبيعة الفساد المستشري بين أوساط الرهبان اليونان الذين يسيطرون على مقدرات البطريركية الارثوذكسية في القدس وقد كان أهلنا في المدينة المقدسة وخصوصاً العرب الارثوذكس واعين لهذا الاختلال فأعلنوها حرباً على الفساد والرهبان اليونان الفاسدين. وكان لردة الفعل الشعبية العارمة ضد صفقة بيع عقارات ساحة عمر بن الخطاب التي تحتوي على فندقي امبريال والبتراء وسبعة وعشرين مخزناً، الفضل في الإطاحة بالبطريرك اليوناني ايرينيوس عام 2005 بعد أن تبين انه أعطى وكالة الى عميل يوناني اسمه باباديماس بحيث تمكن من عقد الصفقة وقبض ملايين الدولارات ومغادرة القدس حيث يلاحقه الانتربول بموجب أحكام النصب والاحتيال في قضايا أخرى.
عزل البطريرك ايرونيوس أدى الى انتخاب البطريرك ثيوفيلوس الذي كان وقع كتاباً أثناء زيارته لوزير الداخلية تعهد فيه بإلغاء هذه الصفقة وشبيهاتها والتوقف عن السماح بعقد أية صفقات جديدة إن كان بالبيع أو بالتأجير لمدد طويلة، ولكن للأسف تبين أنه لا ينوي تنفيذ هذا التعهد ولا التقيد بما التزم به من حيث تنفيذ بنود القانون الأردني رقم (27) لسنة 1958 الساري المفعول بالنسبة للأماكن المقدسة والأوقاف التي تشرف عليها البطريركية الارثوذكسية تنفيذاً لنصوص الولاية الهاشمية مثلها في ذلك مثل الوصاية الأردنية على المقدسات والأوقاف الإسلامية. والانكى أن هذا التهاون بالنسبة لعقارات ساحة عمر بن الخطاب يواكبه تصميم إسرائيل بعد أن اعترفت به بطريركاً عام 2007 بالتنازل عن حقوق البطريركية الارثوذكسية في أرض الشماعة ومساحتها 38 دونماً في منطقة باب الخليل وتنازل عن أربعة مخازن كانت تشغلها محلات سنيوره لبيع منتجات اللحوم بالبلدة القديمة. وتعاقد على صفقة لبناء مساكن يهودية على 71 دونماً من أراضي مار الياس بحيث تسيطر هذه المستوطنة الجديدة على طريق القدس بيت لحم.
ومن الضروري أن نذكر هنا أن أهلنا في القدس لم يتأخروا قط في ايصال الرسالة الى العرب والى العالم أجمع عن هذه الأحوال والتخطيط الذي يقوم به العدو. فهذا المرحوم روحي الخطيب أمين القدس أصدر كتابه المشهور بالعربية والانكليزية في العام 1970 وكان العنوان الذي أطلقه "تهويد القدس" وبالانكليزية (judaization of Jerusalem) فكان نبوءة صادقة استمرت حتى اليوم. فقد صرح مفتي القدس والديار الفلسطينية الشيخ محمد حسين المفتي قبل عدة أيام "إن الهجمة الإسرائيلية على الأماكن تزداد شراسة يومياً بينما حذر قاضي القضاة الشيخ تيسير بيوض التميمي والمطران الأرثوذكسي عطالله حنا من احتمال انهيار المسجد الأقصى وكنيسة القيامة نتيجة الحفريات التي تقوم بها حكومة الاحتلال الإسرائيلي تحت أرضية المسجد وعلى مسافات قريبة منه إذ الناس بدأوا يلحظون بالفعل بأن هناك تصدعات في الأبنية والأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية.
لقد قامت كل من الحكومة الأردنية والسلطة الفلسطينية بتوجيه أنظار الهيئات والمنظمات الدولية وحكومات العالم الى هذه المخاطر والأوضاع المتردية وأشارت بكل قوة الى تقرير الاتحاد الأوروبي الذي تم الانتهاء من اعداده في الثالث والعشرين من تشرين الثاني 2009 والذي انتقد السياسة الإسرائيلية المتبعة لتهويد القدس وهدم منازل الفلسطينيين لمنع إقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية.
أما بالنسبة للأوقاف الأرثوذكسية فقد قام الأبناء الأرثوذكس بجميع الاحتجاجات وأرسلوا البرقيات الى جلالة الملك عبدالله الثاني وحكومته الرشيدة وإلى فخامة الرئيس محمود عباس وحكومته الرشيدة لإيقاف هذا الاستهتار من قبل الرهبان اليونان بواجباتهم الكهنوتية. وقد أخذ البطريرك علماً بهذه المواقف وخصوصاً بعد أن امتنع الأرثوذكس في بيت لحم عن استقباله مساء ليلة عيد الميلاد بعد أن وافقهم فخامة الرئيس عباس بإلغاء حضوره تلك الليلة للإعراب عن عدم رضاه عما يجري بالنسبة للأوقاف في الوقت الذي اتخذت فيه اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية قراراً خلال اجتماعها في رام الله برئاسة السيد الرئيس محمود عباس تدعو فيه الى الوقف التام لأي أعمال تقوم بها مؤسسات دينية يمكن أن تخدم المشاريع الاستيطانية والتوسعية الإسرائيلية خاصة في القدس وإلى استجابة هذه المؤسسات لصوت أبنائها وأبناء شعبنا بأسره في هذا الصدد. وستقوم اللجنة التنفيذية بمتابعة هذا الشأن الخطير مباشرة مع الجهات المعنية وخاصة المرجعيات الدينية.
إن تهويد القدس عمل بالغ الخطورة، وهو يستهدف البشر في الدرجة الأولى. وبما أن الوجود العربي في قدسنا مهدد بهذا الشكل، علينا جميعاً القيام بواجبنا في مواجهة هذه الأحوال المتردية. علينا أولاً وقبل كل شيء أن نوّحد مواقفنا. فلا يجوز إطلاقاً أن تكون تنظيماتنا وهيئاتنا على ما هي عليه من الانقسام والتنافر. وعلينا كذلك أن نبدأ بحملة إعلامية توجه الأنظار الى المبادرة العربية للسلام التي يجب علينا شرحها للعالم أجمع. أما في المحافل والهيئات الديبلوماسية والاجتماعية ففي إمكاننا توحيد الجهود بين كل الجمعيات والهيئات والمنظمات التي تعمل من أجل القدس لأن الهدف واحد، وأما أهلنا في المدينة المقدسة فإن علينا القيام بكل ما يمكن عمله لدعمهم ومؤازرتهم في الصمود على أرضهم ضد المحاولات اليهودية لتشتيتهم وجعلهم يغادرون مدينتهم بحيث تتيسر لهم عملية التهويد التي خططوا لها لا سمح الله. علينا أن نبذل كل جهد بسرعة قبل فوات الأوان لضمان أن يكون للعرب مسلمين ومسيحيين هذا الوجود السكاني الفاعل الذي سيمنع الأعداء من تنفيذ مخططاتهم.
إن الأمة التي ننتمي إليها جديرة بأن تكون القادرة على بذل جهد مميز اختصاراً للزمن الضائع وتأكيداً بأن الحق معنا في الدفاع عن مصالح هذه الأمة التي نتشرف بالانتماء إليها فالحق يعلو ولا يعلى عليه.
() رئيس المجلس المركزي الأرثوذكسي في الأردن وفلسطين
"المستقبل"




















