منذ أشهر والتهديدات المتبادلة بعمل عسكري تتصاعد ثم تخفت.
في البداية كانت بين اسرائيل وايران، ثم بين اسرائيل و"حماس"، وفي الفترة الاخيرة شملت التهديدات المتبادلة كل من سوريا و"حزب الله".
وفي كل مرة كانت التهدئة تنسب الى "مداخلة" اميركية مع اسرائيل او الى "رسالة" اميركية برسم الآخرين، خصوصا ايران وسوريا، بان الحرب غير مرغوبة.
واللافت في التهديدات ان كل طرف، اي اسرائيل من ناحية وايران وسوريا و"حماس" و"حزب الله"، من ناحية أخرى كان ينهي تهديداته مقتنعا بانه أوصل "الرسالة"، وبان تحفظ الطرف الآخر عن الخوض في الحرب الفعلية مصدره ابداء استعداده الكامل لخوضها.
هذا الوضع الهش يشكل بالتأكيد بيئة مثالية للطرف الذي يرغب بخوض مجابهة، اذ يمكن تحويل اي "حادثة" بسيطة بالمقاييس العادية مبررا كافيا لاندلاع المواجهات عندما يكون قرار الحرب متخذا.
لا شك في ان الطابع التدميري للحرب المقبلة سيكون طاغيا، ولا شك ايضا في ان المدنيين سيكونون وسط المواجهة كهدف عسكري.
لكن ما ليس واضحا هو طبيعة الترابط بين المواجهات، وما اذا كنا امام احتمال مواجهات محدودة، ام مواجهة شاملة واحدة.
وبما ان الامر يتناول التخطيط المسبق فلا بد من التكهن حول طبيعة الخطط الموضوعة، او غير الموضوعة استعدادا لترجمة هذا الكم من التهديدات الدورية المتبادلة.
هناك اولا سؤال يتناول مقدار الالتزام بين ساحات المواجهة في حال بادرت اسرائيل الى اختيار موقع محدد او شامل بطبيعته.
وبشكل اوضح السؤال هو ماذا سيكون موقف اطراف التحالف الذي التقى في دمشق اخيرا، اضافة الى طرفي اللقاءات الايرانية – الفلسطينية الاخيرة، في حال قررت اسرائيل الانفراد بمواجهة غزة او لبنان؟
بمعنى آخر ليس هناك ما يشير الى ان قرارا اسرائيليا بمواجهة محدودة يمكن ان يتحول مواجهة شاملة نتيجة قرار مقابل يعتبر الحلقات مترابطة ميدانيا، اي ان الاعتداء على طرف يشكل اعتداء على كل الاطراف. بما يشبه، ولو من بعيد، التزامات الكتل العسكرية في فترة الحرب الباردة.
في المقابل هناك ما يشير الى ترابط معاكس. فكل التهديدات بتوجيه ضربة عسكرية لايران، بصيغة ضربة لمنشآتها النووية، تفترض ان الرد سيكون شاملا، وبهذا المعنى يصعب تصور مواجهة اسرائيلية – ايرانية لا ينخرط فيها لبنان وغزة، كما يصعب رؤية كيف يمكن ان تبقى سوريا بمنأى عن انفلات مثل هذه المواجهة.
بالمعنى نفسه كان "مشهد دمشق" الذي اعتبر ردا على التهديدات الاسرائيلية، بمثابة اعلان ان سوريا لن تكون وحدها في مواجهة التهديدات الاسرائيلية، اي ان ما يسمى المواجهة الشاملة يكون عمليا باستهداف طهران، وبالتضامن مع استهداف دمشق، من دون ان ينسحب الامر على "الساحات" الاصغر، اي لبنان وغزة، حيث يمكن خوض مواجهة محددة، والانتصار فيها، في نهاية المطاف.
على "الضفة" الاخرى تبدو الامور مشوّشة ايضا. اذ لا شك في ان الادارة الاميركية الحالية تفضل استبعاد اي مواجهة بين اسرائيل وجيرانها. لكن من غير الواضح اين تصبح اسرائيل قادرة على توريط حليفها الاميركي في ما تسميه خطوطها الحمر الخاصة.
في الخط الاحمر الخاص بطهران يبدو القرار اميركيا على نحو شبه شامل. اي ان اسرائيل لا تستطيع ان تورط واشنطن في مواجهة مع ايران، في المدى القريب والمتوسط، بحجة تعاظم المخاطر النووية الايرانية، والسبب الاساسي ان ما ينجم عن ذلك اكبر من "الحجم" الاسرائيلي.
لكن اسرائيل تحتفظ لنفسها بهامش واسع في تحديد خطوطها الحمر تجاه كل من سوريا و"حزب الله" و"حماس".
اذا كانت المواجهة مع لبنان وغزة مصنّفة حتى الآن محلية، فان تعيين اي خط احمر سوري قد يكون ايذانا بمواجهة شاملة، تدخلها ايران طوعا وواشنطن مرغمة. ولان مثل هذا الخط الاحمر غير موجود او مستبعد في المدى المباشر، فاننا نكون عمليا امام مخاطر تكرار احدى المواجهتين: الفلسطينية او اللبنانية.




















