سميح صعب
بمعزل عمن يحكم باكستان، الجنرالات ام حكومة مدنية منتخبة، فإن الدور الاقليمي لهذه الدولة منذ انشائها حاول مراراً التمدد تارة في اتجاه افغانستان، وطوراً في اتجاه كشمير الهندية. ولم توفق اسلام اباد في اكتساب النفوذ عبر حدودها الشمالية الغربية إلا عندما اجتاح الاتحاد السوفياتي افغانستان، فجنّدت واشنطن الجنرال ضياء الحق كي يدعم الاصوليين الافغان المعارضين للوجود العسكري السوفياتي.
وعندما حاولت باكستان الالتفات نحو حدودها الشرقية، تسببت كشمير بثلاث حروب مع الهند، وكادت الحرب الرابعة ان تنفجر عام 2002، ودوماً بسبب كشمير.
والآن، بعد تفجيرات مومباي، يعود التوتر ليتصاعد مع نيودلهي حتى بوجود حكومة مدنية منتخبة في اسلام اباد.
غير ان حرباً بين الهند وباكستان هذه المرة لا احد يضمن انها ستبقى ضمن الاطار التقليدي. وبسبب انعكاسات مثل هذه الحرب على الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة والتحالف الدولي في افغانستان ضد "القاعدة" و"طالبان". لذلك وضعت الولايات المتحدة ثقلها لمنع تصاعد التوتر وبلوغه حد الانفجار بين نيودلهي واسلام اباد. علما ان كلتا الدولتين تملكان سلاحا نوويا.
وانذر الباكستانيون الاميركيين عندما قالوا ان أي تصعيد جدي مع الهند من شأنه ان يؤدي الى سحب القوات الباكستانية التي تقاتل "طالبان" و"القاعدة" والقبائل التي تدعم هاتين الحركتين في المنطقة القبلية مع افغانستان، من اجل نشرها على الحدود مع الهند.
كان التلويح الباكستاني بسحب القوات كفيلاً بان تهرع وزيرة الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس الى نيودلهي ومن ثم الى اسلام اباد للحؤول دون تدهور الاوضاع على الحدود الباكستانية – الهندية.
فواشنطن تعرف ان تخفيف الضغط عن "القاعدة" و"طالبان" في المنطقة القبلية، سيعني تزايداً مطرداً لهجمات التنظيمين الاصوليين داخل افغانستان، وتالياً فإن الولايات المتحدة ستكون في حاجة الى أعداد أكبر من الجنود الاميركيين في هذا البلد.
وأي انفجار على الجبهة الهندية-الباكستانية، سيعني خلطاً جديداً للأوراق في جنوب آسيا. ومعلوم انه منذ ثمانة أعوام لم تتمكن واشنطن من حسم الحرب ضد "القاعدة" و"طالبان" بسبب لجوء قادة التنظيمين الى المنطقة القبلية بين افغانستان وباكستان. وكانت هناك شكوى أميركية دائمة من عدم قيام اسلام اباد بما يكفي من أجل الانقضاض على المتشددين في المنطقة القبلية.
وقد دفع الرئيس الباكستاني السابق الجنرال برويز مشرف ثمن تردده في دفع قواته نحو المنطقة القبلية. فواشنطن تخلت عنه، وساعدت في الاتيان بخصومه الى السلطة. وعندما وصل هؤلاء الى سدة الحكم اصطدموا بالعوائق ذاتها التي كانت تمنع مشرف من تجريد حملة واسعة ضد القبائل.
ازاء هذا الواقع، لجأت الولايات المتحدة الى تولي الامور بنفسها، فبدأت منذ الصيف الماضي توجيه ضربات صاروخية جوية الى اهداف في المنطقة القبلية بين افغانستان وباكستان. لكن هذا أدى الى إحراج الحكومة في اسلام اباد.
وسواء كان هدف الضربات الاميركية الضغط على الحكومة المركزية في اسلام اباد كي تزيد الضغط العسكري على القبائل، ام بداية تغيير في استراتيجية اميركية شاملة حيال الحرب على المتشددين في افغانستان، فإن الحكومة الباكستانية هي التي ستدفع ثمن التصعيد على حدودها الشمالية الغربية.
والحال هذه، فإن استمرار المأزق بالنسبة الى باكستان هو المرجّح. فهي عاجزة عن القضاء على المتشدّدين لديها لأنهم هم نواتها، الى الاحتفاظ بالبقية الباقية من نفوذ لها في افغانستان. كما ان طي لافتة كشمير بالنسبة اليها سيضعها في موقع الاتهام.
وهذا يعيدنا الى ما بدأنا به. ان باكستان دولة تبحث عن دور، وهي لم توفّق بعد الى ذلك. حكومات عسكرية تليها حكومات مدنية والعكس صحيح. لكن الدوامة مستمرة.




















