الحياة – 06/12/08//
عدت من باكو عاصمة آذربيجان، بعد أن شاركت في مؤتمر مجلس أوروبا لوزراء الثقافة الذي شارك فيه أيضاً، وزراء الثقافة في عدد من الدول الأعضاء في المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة. وكان شعار المؤتمر هو «لنحيَ جميعا متساوينَ في الكرامة»، والموضوع الرئيس للمؤتمر هو: «حوار الثقافات أساس للسلام وللتنمية المستدامة».
وأحسب أنَّ انعقاد هذا المؤتمر يعدُّ بادرةً ذاتَ دلالةٍ عميقة، تؤشّر إلى أن حوار الثقافات والحضارات بات اليوم حقيقةً قائمةً من حقائق العصر الذي نعيشه، وملمحاً من ملامح التغيّرات التي تطبع هذه المرحلة من تاريخ البشرية. وإذا كان هذا المؤتمر يؤكد من جهة، على قوّة علاقة التعاون والشراكة بين الدول الأعضاء في المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة -إيسيسكو، وبين الدول الأعضاء في مجلس أوروبا، فإنه من جهة أخرى، يعكس مستوى التقدّم الذي وصلت إليه فكرة التعايش بين العالم الإسلامي والغرب، على مبادئ القانون الدولي، وقيم الحوار بين الثقافات والتحالف بين الحضارات.
ولقد وجدت الشعار الذي يحمله الكتاب الأبيض حول حوار الثقافات الذي أصدره مجلس أوروبا : «لنحيَ جميعاً متساوينَ في الكرامة»، يَتَطابَقُ تماماً مع منطوق الآية القرآنية : «ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً» -الإسراء : 70. فالبشر في المفهوم الإسلامي، سواسية في الكرامة وفي الحقوق الإنسانية والواجبات. وهذا مبدأ سام من المبادئ التي طبقتها الحضارة الإسلامية في عصور ازدهارها.
كما أن هذا الشعار الذي يطرحه الكتاب الأبيض، مقتبسٌ من المادة الأولى من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي تقول : «يولد جميع الناس أحراراً ومتساوينَ في الكرامة». لكن الممارسات الميدانية في جميع أنحاء العالم، لا تعكسه مع بالغ الأسف. والمطلوب الآن هو تفعيل هذه المادة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، من خلال تعزيز ثقافة الحوار ونشر قيم السلام، والتعاون بين الدول والمنظمات والهيئات والمؤسسات الحكومية وغير الحكومية، لتعميق هذه المفاهيم وتطبيق هذه المبادئ، ومن أجل أن نجعل هذا الشعار حقيقة نعيشها في الواقع.
ثم إنَّ القيم الأساس لمجلس أوروبا، هي قيمٌ مشتركةٌ بين المجموعة الأوروبية والمجموعة الإسلامية ؛ لأننا جميعاً نؤمن بالحقّ في الحياة الحرة وفي كرامة الإنسان، ونؤمن بالعدل وبالمساواة، ونؤمن بحرمة دم الإنسان، وباحترام الحياة الإنسانية، ونؤمن مع ذلك، بقيم الفضيلة والشرف ونصرة المظلوم وكراهة الظلم والعدوان على الإنسان وعلى أرضه وعرضه وماله. ولذلك فإنَّ تعزيز هذه القيم والحفاظ على هذه المبادئ الإيمانية، أساسٌ مهمٌّ وعاملٌ ضروريٌّ لتحقيق التفاهم والتعايش بين البشر. والحوار بين الثقافات سبيلٌ إلى ذلك. ومن هنا تأتي أهمية هذا المؤتمر الدولي الأول من نوعه، باعتبار أنه يجمع بين وزراء الثقافة في مجلس أوروبا، وبين وزراء الثقافة في عدد من الدول الإسلامية.
وكما قلت في الكلمة التي ألقيتها في الجلسة الافتتاحية للمؤتمر التي ترأسها الرئيس الآذربيجاني السيد إلهام علييف، فإنَّ هذا المؤتمر خطوة مهمة في الاِتجاه الصحيح، ونأمل أن تَتَواصَلَ جهودنا في هذا المجال، لأنَّ البشرية تحتاج إلى تعزيز قيم الحوار بين الثقافات وتطبيق مبادئ هذا الحوار في الواقع المعيش. وسنواصل في الإيسيسكو العملَ من أجل نشر ثقافة الحوار والسلام، وتربية الأجيال على المبادئ الإنسانية التي تُعلي من شأن الحوار والتعايش السلمي بين الشعوب. وسنستمر في التعامل مع مجلس أوروبا لتمتين روابط الشراكة التي أقمناها، والعمل على تنفيذ الأنشطة التي تصبّ في هذا الاِتجاه.
لقد جاء في «إعلان باكو من أجل تعزيز الحوار بين الثقافات» الصادر عن هذا المؤتمر، أن وزراء الثقافة المشاركين فيه يكدون التنوع الثقافي بين الدول، وفي داخل كل دولة، بوصفه تراثاً مشتركاً للإنسانية، ويوافقون على الإسهام في التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة لصالح الإبداع الثقافي، وتعزيز عملية مستدامة للحوار الثقافي، ويؤكدون أهمية دور الأعمال الثقافية على المستوى الإقليمي والمحلي وإسهامها في تعزيز الحوار بين الثقافات. وهذه مواقف إيجابية تدعونا إلى متابعة تنفيذها في الواقع، وخاصة على مستوى تعاون مجلس أوروبا مع العالم الإسلامي.
وقد دعا المؤتمر إلى تشجيع التوقيع والإقرار والتنفيذ اللاحق لاتفاقية ميثاق اليونسكو الخاص بحماية وتعزيز التنوع الثقافي، إلى جانب اتفاقيات التراث الأوروبية وتعزيز التعاون بين المجلس الأوروبي والاتحاد الأوروبي للدعم المشترك للسياسات المعنية بالحوار بين الحضارات والثقافات، وتقديم الدعم لمبادرة تحالف الحضارات التابعة للأمم المتحدة، والترحيب بتمديد برنامج «فارو» المفتوح (فارو أوبن بلاتفورم) للتعاون بين المؤسسات من أجل حوار الثقافات بين المجلس الأوروبي واليونسكو (فارو 2005م) والمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة/الإيسيسكو والمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم/الأليكسو ومؤسسة أناليند/الأوروبية المتوسطية للحوار بين الثقافات.
وأوصى «إعلان باكو» بتنمية العمل الثقافي والتراثي والإعلامي وبدخول الدول غير الأعضاء في المجلس الأوروبي في هذه الأنشطة، وأهمية وجود مبادرات ثقافية من أجل دعم الأدوات القائمة التي تساعد في تبادل الاتصال والأفكار.
إن مثل هذه المؤتمرات التي تعقد في عواصم إسلامية لها دور فاعل في العمل الإسلامي المشترك، تخدم الأهداف التي يسعى إليها الحوار بين الثقافات والحضارات والأديان. ولكن يبقى أن نؤكد هنا أن الفعل المؤثر الذي يدعم حضور العالم الإسلامي في هذه الدوائر العالمية، لابد وأن يصدر من الداخل، أي من خلال الممارسة العملية لقيم الحوار والتفاهم والتعايش بين العرب والمسلمين أنفسهم، بنشر ثقافة التسامح والتصالح مع الذات، والتعالي عن الأمور التي تضعف الكيان العربي الإسلامي الكبير وتشتت الجهود وتفقدها الفعالية والتأثير، وتفتح الأبواب أمام الطامعين والخصوم لاختراق الصفوف، وإبقاء العالم الإسلامي مفككاً وغير قادر على العمل المتجانس. وهذه مسؤولية قادة العالم الإسلامي وصانعي القرار والعلماء والمثقفين ومنظمات العمل الإسلامي المشترك. فقوة العالم الإسلامي تكمن في تجانس مواقفه وتضامن شعوبه وقياداته ووقوفه في الساحة الدولية شريكاً فاعلاً ومؤثراً. وبدون ذلك لن تكون له المكانة التي يستحقها، ولا التأثير الذي يحب أن يمارسه في ماجريات الأحداث في عالم اليوم.
* المدير العام للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة – إيسيسكو.




















