النتائج الحقيقية للإنتخابات نُشرت: نسبة لا تقل عن 34 بالمئة من الشباب يفكرون جديا بالهجرة من البلاد. رد الفعل الإعلامي على ذلك كان صمت أعمق من الذي ساد في أعقاب نشر تقرير الفقر.
نتائج الإستطلاع تتغذى من جملة كبيرة من الإخفاقات في كافة مجالات حياتنا: العنف، الإرهاب، حرب لبنان الثانية، وضع التعليم، الصحة، سلطة القانون، الأمن التشغيلي، مستقبل التقاعد الخ… كل ذلك يدل على فشل القيادات الإسرائيلية في الأعوام الأخيرة. السلام، التعليم، الصحة، البنى التحتية- القضايا التي وُضعت على رأس جدول الأولويات القومي لدى رابين عام 1992، أخلت مكانها لعقد ونصف من السياسة الجوفاء في زعامة الحكومات التي تقلصت أيضا فترات ولاياتها.
حاليا، عشية الإنتخابات، وفي وقت لا يزال نصف الشباب لا يعلم إن كان سيصوت فيها، نعود ونكتشف أن الأحزاب نفسها ومن يرأسها لا يزالون يصرون على ما لديهم – البرامج السياسية، الشعارات، الدعاية الإنتخابية، وبشكل أساسي حملات التنسيب ـ ويرفضون النظر في أعين الشباب كما في أعين الكهول واقتراح طريق مغايرة للتي فشلت.
المجالات التي فشلت فيها الحكومات كثيرة جدا، إلا أن تأثير المجال السياسي هو الأكثر أهمية. قبل أقل من عقد على فشله واستبداله ها نحن نعود ونواجه من يريد تتويج نتنياهو. هذا الذي ذر الرماد في أعين الجمهور عبر سياسة "سنعطي عندما يعطون" التي هدفت إلى إخفاء موقفه الحقيقي الذي رأى في "دولة منظمة التحرير على بعد 15 كلم من شواطئ تل أبيب خطراً داهماً على الدولة اليهودية" وأدت إلى المساهمة الإسرائيلية في منازعة عملية أوسلو.
إلى جانبه وفي مقابله نجد مجددا وريثه باراك. هذا الذي "أعطى كل شيء"، والذي "كشف عن الوجه الحقيقي لعرفات" وأدى إلى تحطيم معسكر السلام الإسرائيلي الذي صدّقه بعدم وجود "شريك فلسطيني".
معهما وضدهما نكتشف ليفني. هذه التي كانت إلى جانب أولمرت الذي وعد الشباب في بداية عهده بأن "إسرائيل ستكون مكاناً يهنأ العيش فيه"، والذي "اكتشف" فقط بعد ثلاث سنوات أن ذلك يستلزم دولتين لشعبين وإلا فإن "إسرائيل ستنتهي". هي تريد قيادة حزب ورجال شارون بالشعار الفارغ "مصلحة الدولة". شارون الذي وعدنا بأن "الأمن أولا ومن ثم السلام" لأنه "لا يؤمن بالتسويات الدائمة" وطلب منا الإنتظار حتى يتحول "الفلسطينيون إلى فنلنديين".
للأسف، الواقع المعقد رفض الإنصياع إلى الشعارات التسطيحية. الإنتفاضة الثانية، الإنسحاب الأحادي من لبنان، فك الإرتباط عن غزة، حرب لبنان الثانية، انتصار حماس في الإنتخابات وسيطرتها على قطاع غزة، كل ذلك لم يحرك شيئا في مواقف قياداتنا: من جهة، الرفض المتواصل منذ ستة أعوام على بحث مبادرة السلام العربية وعدم استغلال العام الذي خُصص لعملية أنابوليس. ومن جهة أخرى، مضاعفة عدد الإسرائيليين الذين يسكنون وراء الخط الأخضر ثلاث مرات منذ التوقيع على اتفاقيات أوسلو وفقدان سلطة القانون في المناطق.
إلى جانب كل ذلك، الإستثمار الضخم لأموال دافعي الضرائب في السياسة الأحادية التي فشلت: أكثر من عشرة مليارات شيكل في فك الإرتباط الذي قد تشكل لجنة تحقيق رسمية لفحصه، ومبلغ مماثل في جدار الفصل الذي لم يستكمل حتى الآن 40 بالمئة منه بسبب الجشع العقيم الذي يرتكز إليه ترسيم مساره.
أي مستقبل سيعاود هؤلاء اقتراحه في الانتخابات القادمة للشباب ولنا جميعا؟ شيء ما شبيه بجواب الملك رحبعام على مصائب شعبه: "والدي أدبكم بالأسواط وأنا سأؤدبكم بالعقارب". ليس فقط أن العبرة من السياسة العقيمة لم تستخلص، بل إن هذه السياسة تحظى بمزيد من التعزيز.
نحن نشهد مسيرة الجنرالات والأمراء اليمينيين ينضمون ويعودون إلى الليكود، لكن يبدو أن هؤلاء أيضا لا يفقهون ما يطالب به الشباب. من موشيه يعالون، الذي دعا الجمهور عشية تركه الجيش إلى مواصلة تربية أبنائه على العيش في مجتمع مكافح، مرورا بعوزي لانداو "المستعد" لأن يقترح على العرب فقط السلام في مقابل السلام وصولا إلى بيني بيغين الذي عاد مع النظرية نفسها التي لم تحظ في زمانه بالدعم الشعبي وأدت إلى اعتزاله.
لا معنى لتعزية النفس بحقيقة أن جزءا من الشباب لن يمارس "حق الإقتراع" عبر الانضمام إلى مئات الآلاف الذي قرروا الرحيل عن البلاد.
لا معنى أيضا لأن نطلب استبدال الشعب. هؤلاء الشباب هم الشعب. إنهم أكثر بكثير من 34%، رغم أن الإستطلاع لم يشمل العرب. إنهم الذين اكتظوا أربعين تلميذا في الصفوف الدراسية لكي يتعلموا ممن لُقبوا أخيرا بـ"الحمير". إنهم الذين يتجندون للوحدات القتالية ويستمرون في خدمة الإحتياط لعشرات الأعوام. إنهم الذين يعملون من أجل الرزق ويدفعون الضرائب التي تمول البقية أيضا.
لا معنى لقناع الأكاذيب، لأن معظم الشباب لم يعد يصدقها. بعضهم قرر أن الخداع الذي يتعرضون له أكثر من أن يتيح لهم استمرار المشاركة في اللعبة. إنهم ببساطة يذهبون نحو ملعب آخر. وحتى لو لم يكونوا يعرفونه، فإنه، للأسف، يعتقدون أنه أفضل من الذي يعدونهم به هنا كل مرة مجددا. غدا ستكون هناك حكومة، إلا أن الجمهور لن يكون هو نفسه الذي تطلبه الدولة من أجل البقاء الدولة التي يعدنا بها الجميع.
("يديعوت أحرونوت" 2/12/2008)
ترجمة: عباس اسماعيل




















