جيل واي (Y) هو الجسر بين العالمين التقليدي والرقمي؛ فقد عاش طفولته في بيئة تقليدية، ثم واجه في مراهقته التحوّل الكبير الذي أحدثته الهواتف الذكية، ما جعله يطوّر سمات وسلوكيات جديدة لم تكن موجودة لدى الجيل الذي أنجبه.
وفي سياقنا العربي، كان جيل الثورات؛ الجيل الذي تمرّد على البنى التقليدية، وواجه الأنظمة الاستبدادية مستندا إلى انفتاح رقمي غير مسبوق، وإلى مصادر معرفة جاءت من خارج المنظومات المغلقة. هذا الجيل رأى الإنترنت كنافذة على عالم آخر، عالم لم يكن متاحا للأجيال السابقة التي عاشت داخل حدود الدولة الأمنية، بلا أدوات اتصال ولا معرفة خارجية.
لكن المشهد اليوم تغيّر بالكامل.. نحن أمام جيل زد (Z) الذي ولد وفي يده تلفون ذكي، وكذلك جيل ألفا، وهما جيلان لا يشبهان أحدا قبلهما. من الولايات المتحدة إلى فرنسا، شهدنا ونشهد حراكا واسعا تقوده فئات عمرية صغيرة، إلى حدّ أن طلاب الثانويات في فرنسا، يهزون الحكومة منذ أيام، في مشهد يعكس انتقال مركز الفعل السياسي إلى الأجيال الأصغر سنا.
هؤلاء لا ينتظرون الأحزاب التقليدية، ولا يخافون من السلطة، ولا يهابون الشارع. التكنولوجيا أعطتهم صوتا، ومنصّة، وجمهورا، وأدوات ضغط لم تكن موجودة في أي زمن سابق. هؤلاء يعيشون في عالم مختلف جذريا: عالم الإنترنت، والعولمة، وأزمة المناخ، وصعود اليمين الشعبوي من جهة، وصعود يسار شعبوي من جهة أخرى، لكن وسط هذا الضجيج، يبرز يسار حديث يشبه نبتة عنيدة تشقّ الإسفلت؛ يسار اجتماعي، بيئي، رقمي، ومتصالح مع الدين والهوية الفردية والديمقراطية. المفاجأة أن هذا اليسار ينمو في كل مكان، حتى في الولايات المتحدة، التي لم تصل إليها الموجة اليسارية الهائلة في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، ولم تمتلك أحزابا يسارية وازنة، كما في أوروبا وبلدان العالم الثالث بما فيها بلداننا. وكأن هذا اليسار الجديد يقول للعالم: «سواء أردتم أم لا… أنا قادم»؛ في فرنسا، وربما في سوريا، وفي كل مكان على هذه القرية الصغيرة التي نسمّيها الأرض. جيل واي، الذي سبقهم، كان يحمل ردّة فعل رافضة لليسار بعد انهيار المعسكر الاشتراكي الاستبدادي، الذي ارتبط في الوعي العام بمعاداة الديمقراطية والدين. لكن جيل زد وألفا يعيدان تعريف اليسار من جديد، ويصوغانه بملامح تتناسب مع عالمهما: عدالة اجتماعية، حماية البيئة، حقوق فردية، ورقمنة الحياة السياسية والحكومات.
جيل سيواصل نضاله مع الأجيال الجديدة سواء كان في فرنسا أو في سوريا، أو في أي مكان آخر، للوصول إلى أهدافه وصياغة عالمٍ أكثر عدلا وحرية ورحمة بالبيئة والانسان
التكنولوجيا: الفارق الحاسم بين سوريا وفرنسا
هنا يظهر الفارق العميق بين التجربتين السورية والفرنسية. التكنولوجيا في فرنسا منذ جيل زد لم تكن مجرد أداة، بل كانت بيئة حياة. الإنترنت لم يدخل إلى المجتمع الفرنسي كضيف، بل كقوة بنيوية أعادت تشكيل المدرسة، الجامعة، سوق العمل، الإعلام، وحتى السياسة. كل طالب ثانوية في فرنسا اليوم يمتلك هاتفا ذكيا، حسابات على منصّات التواصل، قدرة على الوصول إلى المعلومات، وحرية التعبير في فضاء رقمي لا تستطيع الدولة ضبطه بالكامل.
أما في سوريا، فالتكنولوجيا دخلت متأخرة، ومشوّهة، ومراقبة. دخلت في زمن كانت فيه الدولة الأمنية قد أحكمت قبضتها على المجتمع، فصار الإنترنت مساحة خوف بقدر ما هو مساحة معرفة. ومع ذلك، كان تأثيره ثوريا؛ إذ فتح نافذة على عالم لم يكن السوريون يعرفون عنه شيئا، فجأة، اكتشف جيل واي أن هناك نمط حياة آخر ممكن، وأن العالم لا يشبه الرواية الرسمية التي عاشوا داخلها. التكنولوجيا هنا لم تكن بيئة حياة، بل كانت صدمة حضارية، صدمة جعلت الجيل يقول: «ولمَ لا؟ سنقاتل لنصل». في فرنسا، التكنولوجيا جعلت الأجيال الجديدة جزءا من الحياة العامة.. في سوريا، جعلتهم خارجها، ثم دفعتهم إلى الشارع.
جيل البومرز: الطفرة التي لم تكتمل في سوريا
أنا شخصيا أنتمي إلى جيل البومرز (Boomers)، جيل الطفرة السكانية والاقتصادية والاجتماعية التي أعقبت الحرب العالمية الثانية. جيل عاش في دولٍ وفّرت عملا وتعليما وسكنا رخيصا، وكانت الدولة فيها تتوسع وتوزّع خدماتها بثقة كبيرة بالمؤسسات. ويا للمفارقة: فقد عاشت سوريا في الخمسينيات والستينيات وأوائل السبعينيات ظروفا مشابهة إلى حدّ بعيد؛ دولة تبني، طبقة وسطى تتسع، تعليما مجانيا، ومشروع دولة حديثة يلوح في الأفق. لكن الفارق الجوهري أن مشروع أوروبا اكتمل، بينما انقطع مشروع سوريا بانقلابات متتالية وحكم أمني طويل. فاضطر الجيل السياسي إلى العمل سرا، ومن خارج المجتمع، وتعرّض للقمع والسجون، ولم يتمكن من أن يكون جزءا فعليا من الحياة العامة، فانكسر سياسيا.
ومع مرور الزمن، اتّسعت الفجوة بين البومرز والأجيال الجديدة، حتى باتت أشبه بحفرة في شارع دمشقي بعد المطر، لم يعد الشباب يأخذون هذا الجيل على محمل الجد، ليس بسبب العمر، بل لأن أفكاره السياسية والاجتماعية لم تعد تتناسب مع عالم الإنترنت والعولمة وتحديات البيئة. وصار الردّ الساخر جاهزا: «كفى تنظيرا من زمن الأبيض والأسود»، أو بالإنكليزية (OK Boomer ).
X : جيل العقد الضائع عندنا
تلا البومرز جيل إكس (X)الجيل الذي عاش الأزمات والانهيارات في كل مكان: بطالة، تفكّك اجتماعي، سقوط المعسكر الاشتراكي، وانعدام الثقة بالمؤسسات. إنه جيل عاش الحياة في وضع «النجاة فقط»، أو ما يُعرف بـ Survival Mode وفي سوريا، يُسمّى «جيل العقد الضائع»، إذ لم يمتلك فرصة بناء مشروع سياسي خاص به. على عكس جيل واي(y) جيل الثورة، الجيل الذي تمرّد على كل ما سبقه في المنطقة العربية وسوريا. فقد شهد التحوّل الرقمي الكبير، ورأى الإنترنت والهواتف الذكية، وتلقّى معلوماته من خارج المنظومة الاستبدادية. اكتشف أن هناك نمط حياة آخر ممكن، وقال لنفسه: «ولمَ لا؟ سنقاتل لنصل». وهذا الجيل سيواصل نضاله مع الأجيال الجديدة سواء كان في فرنسا أو في سوريا، أو في أي مكان آخر، للوصول إلى أهدافه وصياغة عالمٍ أكثر عدلا وحرية ورحمة بالبيئة والانسان.
كاتبة سورية
- القدس العربي


























