قلّص سعر صرف الليرة السورية خسائره مقابل الدولار في السوق الموازية، منذ أدنى سعر سجّله خلال شهر، عند 143 ليرة يوم الاثنين الفائت، مرتفعاً إلى 140.50 ليرة مقابل الدولار مساء أمس السبت. لكن خلاصة التغيرات في سعر الصرف خلال شهر (من 17 أيلول حتى 17 تشرين الأول) تظهر تراجعاً بنسبة 2.67% في قيمة الليرة مقابل الدولار.
وبتوسيع الهامش الزمني لدراسة التغيرات لتشمل آخر ثلاثة أشهر، نجد أن الدولار تذبذب ضمن هامش ضيق ما بين 130 – 133 ليرة، من أواخر تموز حتى أوائل أيلول، من دون أن يتخذ اتجاهاً صاعداً. لكن منذ منتصف أيلول بدأ انتقال واضح إلى مستويات أعلى، إذ تجاوز الدولار 134 ثم 136 ليرة، وبعد تراجع قصير عاود الصعود نحو 138- 139 ليرة، قبل أن تتسارع وتيرة الصعود في تشرين الأول.
فما الذي حدث في منتصف أيلول ودفع نحو موجة ضعف واضحة لليرة؟ يتقدّم قرار وزارة الطاقة السورية برفع أسعار المحروقات في 13 أيلول الماضي بنسب تتراوح بين 26 و40%، ليشكّل أبرز سبب محتمل للضغط على سعر صرف الليرة. يدعم هذا التحليل تراجع الجنيه المصري في الفترة نفسها (آخر شهر)، بنسبة 2.37% وهي نسبة قريبة من نسبة تراجع قيمة الليرة. ووفق التحليلات المتعلقة بالتراجع في مصر، يتقدم عامل ارتفاع فاتورة الواردات، خصوصاً لوازم الطاقة والمحروقات، مما رفع حجم الطلب الفوري على الدولار، إلى جانب أثر التوترات الجيوسياسية المتصاعدة في المنطقة والتي زادت من كلفة التأمين والشحن التجاري، وهما عاملان ينطبقان على الحالة السورية، مما يدفعنا إلى ترجيح أثر صدمة ارتفاع أسعار المحروقات في منتصف أيلول الفائت على سعر الصرف، إلى جانب أثر ارتفاع كلف الاستيراد جراء ارتفاع كلف التأمين والشحن التجاري.
لا يبدي مصرف سوريا المركزي أي رد فعل على تراجع سعر صرف الليرة، إذ ما يزال سعر الصرف الرسمي مستقراً منذ نهاية حزيران الفائت عند 122.50 ليرة للمبيع مقابل الدولار، مما يوسّع هامش الفرق بين السعرين الرسمي والموازي، إلى نحو 14.7%. إلا أنه يمكن تفهّم تجاهل المركزي لهذا التراجع، إذ أن تراجعاً محدوداً في سعر الصرف قد يكون أقل كلفة من الدفاع عن سعر ثابت بصورة تتسبب باستنزاف الاحتياطيات أو تضطر المركزي لرفع شدة تقييد السيولة. مما يجعل تقييم السياسة النقدية مرتبطاً بكلفة الحفاظ على الاستقرار، لا بالاستقرار نفسه.
لكن يبقى للفارق بين سعر الصرف الرسمي ونظيره الموازي آثاره التي تقود إلى تجنب القنوات الرسمية وتقليل الأموال المحولة عبرها، خصوصاً وأن المركزي ما زال يثبّت هامش الحركة السعري في نشراته الرسمية عند 2%، مما يجعل الحد الأعلى المسموح لسعر المبيع هو 124.95 ليرة، أي بخسارة نحو 11% من قيمة الحوالة للمتعاملين عبر القنوات الرسمية مقارنة بالقنوات الموازية. الأمر الذي يوجب خفض السعر الرسمي لليرة. ومن غير المعروف بعد إن كان المركزي بصدد القيام بخطوة كهذه، أم أنه يتجنّب التسبب بصدمة نفسية أخرى للأسواق، رغم أن السعر الرسمي بقيمته الحالية، لا يعدو كونه رقماً تأشيرياً لا انعكاساً نوعياً له على الأسواق التي تسعّر كل شيء بسعر السوق الموازية أو أعلى منها.
النقطة الأخيرة تقودنا إلى الأثر النفسي لصدمة المحروقات في منتصف أيلول الفائت، والتي فُهمت من جانب السوريين بوصفها مقدمة لارتفاع أوسع في الأسعار وانخفاضاً في قيمة الليرة، فقادت بعض أصحاب المدخرات إلى شراء الدولار، ودفعت التجار إلى التسعير الاحترازي، مما تسبب بضغط إضافي على سعر صرف الليرة.
أما إلى أين سيتجه سعر صرف الليرة على المدى الزمني القريب؟ فالمسار الأكثر ترجيحاً هو أن يستوعب السوق الزيادة الأخيرة، ثم يستقر قريباً من السعر الحالي (140.50 ليرة للدولار)، لأن التحوط بعد صدمة المحروقات سينحسر، ويمكن توقع انتظام عرض الدولار، إن لم تستجد ضغوط جديدة.
أما على مدى زمني أبعد، فتكشف مراجعة التغيرات في سعر صرف الليرة على مدار سنة كاملة (منذ 17 تشرين الأول 2025) أن الليرة لم تعد إلى السعر الذي انطلقت منه (نحو 117)، وأخذت مساراً متذبذباً نحو التراجع، لم يحدث بصورة متصلة شهراً بعد آخر، بل عبر موجات تراجع تخللتها فترات تعافٍ واستقرار نسبي. وجاء اتجاه المسار العام نحو التراجع بضغط من العجز في الميزان التجاري واعتماد البلاد بدرجة كبيرة على الاستيراد. وما يؤكد حجم الانكشاف على العوامل الخارجية، أن أكثر الموجات نحو التراجع حدةً، هي التي كانت ما بين أواخر آذار حتى منتصف حزيران الفائت، حيث سجّل سعر صرف الليرة أدنى سعر سنوي له عند 146.20 مقابل الدولار. وهي الفترة التي عكست صدمة الأسواق نتيجة الحرب الأميركية- الإسرائيلية ضد إيران.
وهكذا، فإنه مع ثبات الخط العام للاقتصاد السوري على ما هو عليه من حيث الاعتماد المفرط على الاستيراد والانكشاف على العوامل الخارجية وعدم قدرة المركزي على الدفاع عن سعر صرف منخفض، لا يمكن توقع مسار مختلف سوى التراجع في قيمة الليرة، لتبقى نسبة هذا التراجع ومقدار حدته وقفاً على العوامل الخارجية ذاتها التي تسببت بالضغط على سعر صرف الليرة في سنة مضت.






















