في 26 أيلول/ سبتمبر عام 1962 نشبت ثورة في اليمن على المملكة المتوكلية وتم إعلان الجمهورية. قرر جمال عبد الناصر، الرئيس المصري حينها، دعم الجمهورية الناشئة، فيما قرّرت السعودية دعم الموالين للملكية. وصلت أعداد القوات المصرية إلى 70 ألف جندي وانتهت الحرب الأهلية بانتصار الجمهوريين لكنها أنهكت الجيش المصري واعتبرت أحد العناصر التي تسببت بهزيمته في العام 1967 أمام إسرائيل.
يشكّل إعلان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، أول أمس السبت، طلب تفويض من البرلمان لإرسال قوات للدفاع عن المملكة العربية السعودية حدثا عربيا وإقليميا مهما، كما أنه يقدّم مناسبة للمقارنة التاريخية بين حدثين يفصل بينهما 64 عاما، ولقراءة التغيّرات الجيوسياسية الهائلة التي طرأت على المنطقة على ضوء هذين الحدثين.
أول ما يلفت في المقاربة التاريخية هو أن السعودية ومصر يقفان اليوم في الموقف نفسه المدافع عن الجمهورية التي كانا قد اختلفا عليها سابقا، وأن الرياض تواجه، هذه المرة، الحوثيين، الذين تنحدر حركتهم من تراث ديني زيدي يرتبط تاريخيا بالإمامة التي كان يعتقد أنها انتهت تاريخيا في نهاية الستينيات. عادت المواجهة بين الجمهوريين والإماميين ولكن أطراف اللعبة تغيّروا مع تغيّر الشروط والظروف، بالتزامن مع صعود طرفين إقليميين وتنازعهما السيطرة والنفوذ على المنطقة العربية: إيران وإسرائيل.
تعاونت إيران حينها – وكانت تحت حكم محمد رضا بهلوي – مع السعوديين في دعم الملكيين ضد عبد الناصر، ولكنّها أصبحت منذ اندلاع تمرّد الحوثيين الأول عام 1979 الداعم الإقليمي الأبرز لهذه الحركة التي أصبحت الشوكة الأعظم في خاصرة المملكة السعودية، كما شاركت إسرائيل سرا في دعم الملكيين (كما تقول معلومات وثقتها كتب ودوريات ومعاهد بحث) ونفّذت عمليات سرية لإيصال أسلحة وإمدادات إلى قواتهم بين الأعوام 1964 و1966 بالتنسيق مع شبكة من العسكريين البريطانيين السابقين بهدف إضعاف القوات المصرية.
يمكن قراءة المشهد على خلفية تغيّر الوضع المصري بين الحربين. دخلت القاهرة الحرب اليمنية في الستينيات وهي تتطلع إلى إعادة تشكيل المنطقة انطلاقا من اليمن، أما السعودية، التي كانت تقاوم المشروع الناصري آنذاك، فقد أصبحت اليوم مركز ثقل اقتصادي وسياسي وعسكري في الإقليم، وشريكا ماليا أساسيا لمصر.
استحضر السيسي هذا العنصر في خطابه الأخير بحديثه عن المساعدات التي قدمتها دول الخليج، ولا سيما بعد عام 2013، وبذلك أضاء على جانب من التحوّل الذي طرأ من مصر التي كانت «تصدّر» الثورة إلى المنطقة (وهي الوظيفة التي انتقلت بعدها إلى إيران!)، إلى مصر التي تبحث المشاركة في حماية أمن أحد أبرز داعمي اقتصادها، غير أن إبراز هذا الجانب لا يعني أن القيادة المصرية لم تتخذ هذه الخطوة أيضا مدفوعة بضرورة التصدّي للمخاطر الأمنية التي تتعرّض لها مصر من سيطرة الحوثيين الممكنة على اليمن، وخصوصا في البحر الأحمر وقناة السويس.
ولعلّ أخطر دروس هذه المقارنة لا يتعلّق بتبدّل الأدوار والمواقع بل بالديناميّات الجديدة التي يمكن أن يؤدّي إليها التدخّل. بدأت مصر في الستينيات مشاركة محدودة قبل أن تتوسع إلى عشرات آلاف الجنود وتتحول إلى حرب استنزاف طويلة في تضاريس معقدة وبيئة قبلية وسياسية متحرّكة.
من العناصر التي يمكن أن تبدّل هذه الديناميات حاليا على سبيل المثال أن حزب «الإصلاح»، النسخة اليمنية من جماعة «الإخوان المسلمين»، التي تعتبر المنظومة العسكرية – الأمنية المصرية سلفها المصري «إرهابيا»، هو من حلفاء السعودية. من ذلك أيضا طبيعة القتال وأدواته التي تغيّرت بشكل جذري بحيث صار للمسيّرات والصواريخ والاستخبارات والذكاء الصُنعي، أدوار رئيسية قد لا يجد الجيش المصريّ أجوبة ناجعة ضدها.
التاريخ، ضمن هذا السياق، لا يكرّر نفسه، وهو ما يعني أن التدخّل المصري، إذا حصل، لن ينسخ تجربة جيش عبد الناصر، لكن التجربتين، مع ذلك، تعيدان طرح سؤال مستمر في اليمن منذ الستينيات حتى الآن: هل تستطيع القوة العسكرية الخارجية أن تنتج استقرارا دائما في اليمن من دون تسوية سياسية (وهو أمر يمكن أن يُعاد طرحه، بصورة أخرى، في مصر أيضا)؟
- القدس العربي

























