يتجدد الجدل حول قرى الغمر في ريف الحسكة، على خلفية مطالب عائلات كردية باستعادة أراضٍ تقول إنها تعود إليها، في ملف ترجع جذوره إلى سبعينيات القرن الماضي، حين نُقلت عائلات عربية من مناطق في ريفَي الرقة وحلب غمرتها مياه بحيرة الفرات، وأُسكنت في قرى بمحافظة الحسكة.
وبعد عقود من الاستقرار في هذه القرى، تتداخل في هذا الملف أسئلة معقدة بشأن ملكية الأراضي الزراعية والحقوق القانونية للأطراف المعنية، وسط مخاوف من انعكاس الخلافات على أوضاع العائلات المقيمة والعلاقات بين المكونات المحلية.
وفي ظل مطالب استعادة الأراضي ومخاوف السكان من تداعيات أي تغييرات على مستقبلهم، تبرز الحاجة إلى معالجة تستند إلى الوثائق والسجلات العقارية، وتضمن الحقوق التي يثبتها القانون، مع مراعاة الأوضاع الإنسانية والاجتماعية للعائلات المقيمة، بما يحول دون تحوّل النزاع العقاري إلى توتر اجتماعي.
ويتقاطع وصول العائلات التي عُرفت بـ”المغمورين” إلى ريف الحسكة مع مشروع “الحزام العربي”، المنسوب إلى “حزب البعث”، والهادف إلى تعريب القرى على الحدود السورية التركية خشية أي تحرك سياسي أو عسكري كردي في سوريا. وارتبط المشروع بدراسة صدرت عام 1963، أعدّها رئيس شعبة الأمن السياسي في الحسكة، محمد طلب هلال، حول الوضع الاجتماعي والديمغرافي للقرى والبلدات الحدودية آنذاك.
من الغمر إلى الحسكة.. كيف بدأت القضية؟
في ربيع عام 1974، وصل محمد المغلطان إلى بلدة القحطانية بريف الحسكة الشمالي الشرقي، قادماً من بلدة الجرنية بريف الرقة الغربي، بعدما حصلت عائلته على أرض زراعية مساحتها 15 هكتاراً، مُنحت لها تعويضاً عن أرضها التي غمرتها مياه الفرات آنذاك.
ويقول المغلطان لموقع تلفزيون سوريا إن معظم العائلات التي وصلت إلى القحطانية كانت قد سجّلت أسماءها لدى دائرة حكومية تابعة لمديرية الزراعة في مركز مدينة الرقة، بعد أن غمرت مياه بحيرة سد الفرات أراضيها، مشيراً إلى أن نقل هذه العائلات جرى بمركبات حكومية.
ويضيف أن الحكومة آنذاك منحت كل عائلة مئة ليرة سورية، إلى جانب مئة كيس من القمح بوزن يتجاوز مئة كيلوغرام، لمساعدتها على تدبير شؤونها إلى حين زراعة الأراضي التي حصلت عليها وحصاد محاصيلها.
ويقول إن الأراضي التي حصلت عليها عائلات “المغمورين” كانت تعود إلى إقطاعيين وضعوا أيديهم عليها خلال فترة الانتداب الفرنسي، ثم آلت إلى ملكية الدولة بموجب قانون الإصلاح الزراعي، مشيراً إلى أن أكرم حاجو كان يملك أراضي القحطانية، وفق روايته.
ويرى المغلطان أن الكرد تضرروا من نزع ملكية أراضيهم، كما تضرر العرب الذين غُمرت أملاكهم في ريفَي الرقة وحلب، وأن معالجة الملف لا يمكن أن تتم من دون قرار من الدولة بتعويض المتضررين من مشروع الغمر، سواء أكانوا عرباً أم كرداً.
وتتوزع قرى الغمر في محافظة الحسكة على ثلاث مناطق رئيسية، هي القامشلي والمالكية ورأس العين. ففي منطقة القامشلي تقع قرى المناذرة، والحرمون، والقحطانية، وحلوة، والتنورية، وأم الفرسان، وهيمو، والثورة، والحاتمية، وأم الربيع، والبهيرة، والجابرية.
أما منطقة المالكية، فتضم قرى عين الخضراء، وتل الصدق، والصحية، والمصطفاوية، وتل أعور، والحمراء، والجوادية، وشبك، وتل علو الأولى، وتل علو الثانية، وتوكل، ومعشوق.
وفي منطقة رأس العين، تتوزع قرى تل تشرين، والقنيطرة، والقيروان، وظهر العرب، والأسدية، وبرقة، وتل الحضارة الأولى، وتل الحضارة الثانية، وتل الأرقم، والمتنبي، وأم عظام، والعنادية، والزاوية، والدهماء، وهنادي.
ويقول مسعود الدقوري، وهو من السكان الكرد في ريف القامشلي الغربي، لموقع تلفزيون سوريا إن وصول “المغمورين” إلى ريف الحسكة أسهم في تقليص ملكيات الكرد السوريين في المحافظة، عبر توزيع أجزاء من أراضيهم، أو كامل مساحاتها، على العائلات الوافدة.
ويشير الدقوري إلى أن معالجة هذا الملف تتطلب مراجعة السجلات العقارية والقرارات التي نُقلت بموجبها ملكية الأراضي أو خُصصت للانتفاع بها، معتبراً أن إنصاف المتضررين يبدأ بتحديد الحقوق التي يمكن إثباتها بالوثائق، وعدم تجاهل المطالبات المتعلقة بالأراضي التي يقول أصحابها إنها انتُزعت منهم.
ويؤكد أن الحل يحتاج إلى قرار من الدولة، وليس إلى مطالبات شعبية قد تثير احتقاناً بين المكونات المحلية، التي تعايش أبناؤها طوال العقود الماضية، وكانوا ضحايا قرارات يصفها بـ”الجائرة”، اتخذتها السلطات السورية في سبعينيات القرن الماضي.
مطالب بالحقوق ومخاوف على الاستقرار
تتقاطع مطالب استعادة الأراضي مع مخاوف العائلات العربية التي استقرت في قرى الغمر منذ سبعينيات القرن الماضي، بعدما نُقلت من مناطق غمرتها مياه بحيرة الفرات.
وبينما يتمسّك أصحاب مطالبات الملكية بحقوقهم في الأراضي التي يقولون إنها انتُزعت منهم، تثار تساؤلات بشأن مستقبل العائلات المقيمة في حال اتخاذ إجراءات لإعادة الحقوق، نظراً إلى ارتباط مصادر رزقها بالزراعة واستقرارها في المنطقة منذ عقود.
ومع تداخل المطالبات العقارية والأوضاع الاجتماعية والإنسانية، يبرز سؤال حول كيفية معالجة الملف بما يضمن حقوق من تثبت ملكيتهم للأراضي، ويأخذ في الاعتبار أوضاع العائلات التي أُسكنت في المنطقة بموجب قرارات حكومية سابقة.
وفي هذا السياق، يطرح وجهاء من عشائر الغمر رؤيتهم للحل، بما يشمل إعادة العائلات إلى مناطقها الأصلية وتعويض المتضررين، إلى جانب مراجعة الملكيات وتسوية النزاعات عبر الأطر القانونية.
ويقول لورانس نايف البورسان، أحد وجهاء قبيلة الولدة، كبرى العشائر التي غُمرت أراضيها بمياه بحيرة سد الفرات، إن عودة عائلات الغمر إلى مناطقها الأصلية في ريفَي الرقة وحلب يمكن أن تسهم في معالجة ملف الأراضي الزراعية بمحافظة الحسكة، في حال صدور تشريعات تلغي الإجراءات السابقة المتعلقة بالاستيلاء على الأراضي، وتشكيل لجان مختصة لإعادتها إلى أصحاب الحقوق.
ويشير البورسان إلى أن ملكية الأراضي في المنطقة لا تقتصر على الكرد، بل تشمل أيضاً ملاكاً من الأرمن والمسيحيين وغيرهم، لافتاً إلى أن تسوية أوضاع هذه الأراضي تتطلب من الدولة مراجعة الملكيات وتحديد الحقوق العائدة إلى كل طرف.
ويضيف أن معالجة ملف الغمر ينبغي أن تبدأ بإعادة الأراضي إلى أصحابها وفق ما تثبته الوثائق القانونية، إلى جانب تعويض العائلات عن المواسم الزراعية التي فقدتها، ومساعدتها على إعادة إعمار المنازل التي غمرتها مياه بحيرة الفرات. ويوضح أن منازل كثير من القرى التي نُقلت منها العائلات لم تعد قائمة، ما يجعل العودة مرتبطة بتوفير الإمكانات اللازمة للسكن والاستقرار.
ويدعو البورسان الحكومة السورية إلى إصدار تشريعات تعالج آثار القوانين السابقة المتعلقة بالاستيلاء على الأراضي، وتعويض المتضررين من غمر أراضيهم، وكذلك أصحاب الأراضي في منطقة الحسكة الذين تضرروا من الإجراءات السابقة.
ويرى أن عودة عائلات الغمر إلى مناطقها الأصلية، بالتوازي مع التحقق من الملكيات وتسوية الحقوق قانونياً، قد تتيح معالجة الملف بما يحفظ حقوق الأطراف المعنية ويحدّ من احتمالات النزاع والتوتر الاجتماعي.
السجلات العقارية والقضاء.. طريق التسوية
يقول المحامي حمدوش العلي إن حسم النزاعات المتعلقة بملكية الأراضي في قرى الغمر بريف الحسكة يتطلب العودة إلى السجلات العقارية والقيود الرسمية والوثائق التي تثبت أصل الملكية وطبيعة تخصيص الأراضي، وكيفية انتقالها أو حيازتها من قبل العائلات التي استقرت فيها.
ويوضح العلي لموقع تلفزيون سوريا أن قانون الإصلاح الزراعي السوري رقم 161 لعام 1958 وتعديلاته وضع إطاراً لتحديد سقوف الملكية وتوزيع الأراضي وفق شروط محددة، لافتاً إلى أن تحديد الوضع القانوني للأراضي في قرى الغمر يستلزم التحقق من القرارات التي نُقلت بموجبها ملكيتها أو خُصصت للانتفاع بها، ومدى توافق تلك الإجراءات مع التشريعات النافذة وقت صدورها.
ويضيف أن معالجة الملف تتطلب حصر الأراضي وتدقيق سجلاتها العقارية، ومراجعة قرارات الاستيلاء والتخصيص والتعويض، مع إحالة النزاعات إلى الجهات القضائية المختصة، لضمان حق جميع الأطراف في تقديم الوثائق والمطالبة بحقوقهم.
ويشير العلي إلى أهمية بحث سبل التسوية القانونية أو التعويض في الحالات التي يثبت فيها وقوع ضرر أو مخالفة، مع مراعاة الأوضاع الإنسانية والاجتماعية للعائلات المقيمة في المنطقة. ويؤكد أن مشروعية الإجراءات المتعلقة بكل عقار لا يمكن حسمها بصورة عامة، بل تتوقف على مراجعة الوثائق والقرارات الخاصة به.
ويوضح أن الإقامة في الأراضي لعقود لا تعني بالضرورة اكتساب ملكيتها، كما أن ادعاء الملكية الأصلية لا يكفي وحده لاستردادها من دون إثبات الحق بالطرق القانونية، مشدداً على ضرورة التمييز بين حق الملكية وحقوق الانتفاع والإشغال والتخصيص، نظراً إلى اختلاف الطبيعة القانونية والآثار المترتبة على كل منها.
ويضيف أن المعالجة القانونية السليمة تبدأ بدراسة كل حالة على حدة، والتحقق من القيود العقارية والقرارات الإدارية ذات الصلة، بما يضمن حماية حقوق المالكين الأصليين ومراعاة الأوضاع القانونية للعائلات التي استقرت في هذه القرى.
وبشأن المرسوم الرئاسي رقم 13 لعام 2026 الخاص بحقوق الكرد السوريين، يشير العلي إلى ضرورة التمييز بين الحقوق الوطنية والمدنية للكرد والحقوق العينية المرتبطة بملكية العقارات، باعتبار أن لكل من المسألتين نطاقها القانوني الخاص، لافتاً إلى أهمية دراسة المرسوم والوقوف على حيثياته ومضمونه وآثاره القانونية.
ويرى العلي أن معالجة هذا الملف يمكن أن تشمل تشكيل لجان مختصة بحصر الأراضي وتدقيق السجلات والوثائق، مع اللجوء إلى القضاء للفصل في النزاعات التي يتعذّر حلها بالطرق الإدارية، بما يتيح دراسة المطالب والحقوق وفق الأصول القانونية.
ويؤكد أن حماية حقوق جميع الأطراف لا تتحقق بفرض الأمر الواقع، محذراً من أن استمرار النزاعات من دون معالجة قانونية واضحة قد يفاقم المخاوف والتوترات الاجتماعية. ويشدّد على ضرورة تصحيح الأخطاء وتطبيق القانون على الجميع من دون تمييز، وفصل النزاعات العقارية عن التجاذبات القومية والسياسية، لتجنّب تحوّلها إلى مصدر جديد للتوتر في المنطقة.
الموقف الحكومي.. الملف ضمن صلاحيات الوفد الرئاسي
وفي نهاية أيلول الماضي، بحث نائب محافظ الحسكة، أحمد الهلالي، مع وفد ممثل عن عشائر الغمر، أوضاع الأراضي الزراعية والإشكالات المرتبطة بحراثة عدد من المزارعين لأراضيهم، خلال اجتماع عُقد في مديرية الأمن الداخلي بمدينة القامشلي، وفق ما نشرته مديرية إعلام الحسكة.
وحضر الاجتماع مدير الأمن الداخلي في القامشلي، وعضوا مجلس الشعب ياسر منصور ورضوان سيدو، وناقش المجتمعون سبل معالجة الإشكالات المتعلقة بالأراضي الزراعية وفق الأطر المعتمدة.
وأكد الهلالي والوفد المرافق رفض أي تصرّف من شأنه المساس بالأمن والسلم الأهلي، فيما شدّدت مديرية الأمن الداخلي على دورها في حماية الممتلكات العامة والخاصة والحفاظ على الاستقرار في المنطقة.
من جانبه، يقول محمد حسو، مدير المكتب الإعلامي في مديرية الإحصاء والتخطيط بمحافظة الحسكة، إن طرح قضية قرى الغمر ما يزال مبكراً في الوقت الحالي، في ظل مرور المحافظة بمرحلة دمج المؤسسات المحلية مع مؤسسات الدولة.
ويضيف حسو لموقع تلفزيون سوريا أن ملف قرى الغمر يقع ضمن صلاحيات الوفد الرئاسي ومسؤولي محافظة الحسكة، وأنه في حال فتحه من قبل المؤسسات المعنية، ستُنشر البيانات والإجراءات المتعلقة به.
- تلفزيون سوريا























