تطرح التصريحات الأخيرة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، حول إجرائه اتصالاً “قصيراً وحاداً” مع الرئيس السوري أحمد الشرع إبان أحداث السويداء في تموز/يوليو 2025، علامات استفهام حول التوقيت والدوافع، لا سيما مع الأنباء الواردة من السويداء عن دعم بالسلاح لـ “الحرس الوطني” التابع للشيخ حكمت الهجري.
تصعيد أم دعاية انتخابية؟
وبينما يرى محللون أنها مجرد استعراض قوة ومحاولة لاستجداء الأصوات مع اقتراب انتخابات الكنيست في السابع والعشرين من الشهر الجاري، ينظر إليها آخرون كإشارة تمهيدية لاحتمال اتخاذ الجنوب السوري مسرحاً لتصعيد ميداني محدود.
وجاءت تصريحات نتنياهو، الخميس الماضي، حول الاتصال المزعوم مع الشرع، خلال لقاء انتخابي جمعه بناخبين من الطائفة الدرزية في قرية يركا شمال فلسطين المحتلة، في ظل اقتراب موعد انتخابات الكنيست المقررة في السابع والعشرين من الشهر الجاري.
وادعى رئيس الوزراء أنه وجّه للشرع تحذيراً حاداً ومباشراً يطالب فيه بوقف العمليات العسكرية الميدانية فوراً في مدينة السويداء، متفاخراً بالعدوان على سوريا الذي تزامن مع تلك الأحداث، بقوله: “لقد أسقطنا وزارة الدفاع في دمشق”. فيما اكتفت دمشق برد دبلوماسي، لم تؤكد أو تنفي فيه الاتصال، قائلةً في بيان لوزارة الخارجية إن السويداء جزء أصيل من المكون السوري.
ويرى الخبير في الشؤون الإسرائيلية-السورية خالد خليل، في حديث لـ “المدن”، أن هذا الإعلان المتأخر يحمل طابع “الإفلاس السياسي” لأن نتنياهو معروف بآليته المعهودة كلما حُشر في الزاوية، لجأ إلى تفجير الأزمات الأمنية وافتعال الاستعراضات السياسية والعسكرية الخارجية للتغطية على مآزقه الداخلية.
وما يؤكد، بحسب خليل، أن التصريحات تحمل طابع الدعاية الانتخابية الضيق، هو إخفاء نتنياهو هذا الأمر طيلة الفترة الماضية، مؤكداً أن ادعاءه بأنه “أوقف الأحداث في السويداء” ينافي الواقع تماماً، لأن إسرائيل هي من استغلت ورقة الأقليات لتبرير تدخلاتها غير المبررة في سوريا، وكانت أساس الأزمة في السويداء بعد أن انقلبت في تموز/يوليو 2025 على تفاهمات باكو التي أعقبت مساعي التهدئة بين الحكومة السورية ووجهاء المحافظة.
تحركات ميدانية
لكن تصريحات نتنياهو، وإن كانت تحمل صبغة البروباغندا الانتخابية، تزامنت مع تحركات إسرائيلية ميدانية في الجنوب السوري، لم تقتصر على تكثيف التوغلات في المناطق المحتلة حديثاً بعد سقوط نظام الأسد، بل تعدتها إلى دعم “الحرس الوطني” التابع للشيخ حكمت الهجري بالسلاح خلال الأيام الماضية، وهو ما يشير إلى احتمالية تصعيد ميداني ضد مواقع تسيطر عليها القوات الحكومية في ريف السويداء.
وأكد مصدر إعلامي سوري مسؤول لـ “المدن”، أن هناك معلومات مؤكدة عن إنزال طائرات مروحية إسرائيلية دعماً عسكرياً للحرس الوطني داخل مدينة السويداء، موضحاً أنه من غير المعروف ما إذا تضمنت تلك الشحنات أسلحة نوعية كصواريخ مضادة للدروع أو أجهزة لكشف المسيرات.
وحول الأنباء عن تحضير الحرس الوطني لهجوم ضد القوات الحكومية، قال المصدر إن الأمور لا تزال “ضبابية” حتى الآن، وربما “يمكن” تصنيفها في سياق التصعيد الإعلامي مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، ودعوة محافظ السويداء مصطفى بكور لفتح حوار مع السويداء.
كما أكد المصدر أن الأنباء عن إقامة قاعدة عسكرية إسرائيلية متقدمة في مدينة السويداء لا تزال “غير مؤكدة حتى الآن”.
مقاربات والموقف الأميركي
ورأى مراقبون أن شن إسرائيل غارات عنيفة وغير مسبوقة استهدفت مواقع سيادية وأمنية حساسة في دمشق ومحيطها، خلال أحداث تموز 2025، كان انقلاباً إسرائيلياً ميدانياً وسياسياً بالفعل على مسار تفاهمات العاصمة الأذربيجانية باكو.
وبناءً على ذلك الانقلاب، فإن على الدولة السورية اتخاذ مقاربات إضافية كي لا تقع في الشباك الإسرائيلية ذاتها، خصوصاً مع بقاء احتمالات التصعيد الإسرائيلي قائمة ومحتملة للهروب إلى الأمام وتحقيق إنجاز سياسي وهمي.
ولتعزيز الموقف السوري في وجه أي تصعيد محتمل، يرى خليل أن الضغط الدبلوماسي وحده لا يكفي، بل لا بد لدمشق من اتخاذ طيف واسع من المقاربات المتكاملة، تشمل تحصين الجبهة الداخلية، ورفع مستوى الاستعداد لأي خطر قد يفتعله نتنياهو، ونسج وتفعيل التحالفات الإقليمية والدولية الواسعة، والتمسك بسياسة ضبط النفس والنأي بالنفس وعدم الانجرار وراء الاستفزازات الإسرائيلية.
من جانبه، يرى الباحث والمتخصص في العلاقات الدولية محمود علوش أن احتمال لجوء نتنياهو إلى تصعيد عسكري في سوريا يظل خياراً وارداً، لكنه يصطدم بمجموعة من المحددات والضوابط التي تمنعه من الاندفاع في هذا الاتجاه قبيل الانتخابات، وعلى رأسها الموقف الأميركي.
وأوضح علوش، في تصريحات لـ “المدن”، أن إعلان الرئيس دونالد ترامب دعمه المطلق لنتنياهو يرتكز على تفاهمات والتزامات متبادلة تقضي بتجنب أي تصعيد عسكري واسع؛ سواء في سوريا أو لبنان أو الأراضي الفلسطينية أو إيران، تجنباً لفرض ضغوط اقتصادية وسياسية على الإدارة الأميركية قبل الانتخابات النصفية، المقررة بعد الانتخابات الإسرائيلية.
كما تتضمن هذه الالتزامات انخراط إسرائيل في رؤية ترامب للإقليم، والتركيز على الملف الإيراني، والسعي لإبرام اتفاق أمني مع سوريا كمدخل لإعادة تنظيم العلاقات بين تركيا وإسرائيل، وهو ما تجد واشنطن من مصلحتها عدم تعطيله ومنع ارتفاع التوتر بين أنقرة وتل أبيب.
ورغم أن دمشق تراهن أساساً على الضغط الأميركي لكبح نتنياهو، إلا أن تصاعد الاعتداءات في الجنوب السوري يظل مبعث قلق يفرض الاستعداد لكافة السيناريوهات، مع ترجيح أن أي تصعيد واسع لن يبقى محصوراً في إطاره الثنائي، بل سيرتد باضطراب إقليمي كبير لا يخدم مصالح الأطراف الفاعلة في الوقت الراهن، وفق علوش.
- المدن























