لم تبلغ المواجهة في الجبهات السبع التي افتتحها رئيس وزراء الكيان الصهيوني، بنيامين نتنياهو، ردا على عملية طوفان الأقصى، النهايات التي تحقق له ما أعلنه عن «تغيير وجه الشرق الأوسط»، ببسط هيمنة الكيان الصهيوني على دول الإقليم، فرغم القتل والتدمير الذي قام به الجيش الصهيوني في قطاع غزة، إذ قتل حوالي 80 ألفا، معظمهم من المدنيين، ودمر 70 في المئة من عمرانها، وقتل عددا كبيرا من قيادات حركة حماس وبقية الفصائل الفلسطينية، واجتاح مخيمات الضفة الغربية وبلداتها، وأطلق يد المستوطنين لجعل حياة الفلسطينيين فيها جحيما، لم ترفع حماس الراية البيضاء، بل واصلت التصدي لمدة ثلاث سنوات ما اضطر نتنياهو إلى قبول التفاوض معها، عبر وسطاء، ورفض فلسطينيو الضفة الغربية النزوح والهجرة.
تكررت الصورة في لبنان، قصف وتدمير للضاحية الجنوبية طوال عامين، واغتيال معظم قيادة حزب الله اللبناني، بمن في ذلك أمينه العام حسن نصرالله، لم تكسر الحزب وتدفعه للاستسلام، كما لم تمنعه من العودة إلى المواجهة بعد العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران عام 2026 واغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي. قصف مواقع الميلشيات الإيرانية على الأراضي السورية وقتل عدد من قيادات فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني.
قصف اليمن وقتل قيادات في حركة أنصار الله الحوثية وعدد من وزراء حكومتها في صنعاء، وتدمير المطار والبنى التحتية ومحطات الطاقة الكهربائية، لم يوقف صواريخ ومسيّرات الحركة، نصرة لشعب فلسطين، التي استمر إطلاقها حتى أعلن وقف إطلاق النار في غزة.
وحتى استغلاله لفراغ القوة في سوريا، الذي نجم عن إسقاط النظام البائد، وقصفه للمواقع العسكرية شبه الخالية وتدمير القسم الأكبر من أسلحة الجيش السوري، لم تحقق له المراد بقبول السلطة السورية الجديدة بشروطه وإملاءاته السياسية والأمنية. وقصف ثلاثة مواقع نووية إيرانية بمشاركة الولايات المتحدة الأمريكية، وقصف وتدمير منظومات الدفاع الجوي ومنصات إطلاق الصواريخ والمسيّرات ومواقع تصنيعها طوال 12 يوما، بدءا من 22 يونيو 2025، لم يمنع إيران من الرد وقصف الكيان الصهيوني بالصواريخ البالستية والمسيّرات وقصف القاعدة الأمريكية في قطر. ترك قصف المواقع النووية الثلاثة سؤالا معلقا عن مصير الـ440 كيلوغراما من اليورانيوم المخصب لنسبة 60 في المئة.
الحل الوحيد الذي يناسب الدول العربية هو الدفع نحو تسوية سياسية بحل وسط يؤجل النهايات الكارثية، والانطلاق لإعادة ترميم الأمن الوطني والعربي بتكريس سياسة الأمن الجماعي
اضطر المعتدون، الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، إلى العودة إلى تنفيذ عدوان جديد على إيران بدءا من 28 فبراير 2026 بهدف إسقاط النظام الإيراني وإخضاع إيران للهيمنة الصهيونية، لكن ومع نجاح القصف في قتل معظم قيادات الصف الأول في النظام الإيراني إلا أنه لم يكسر إرادة القتال عند الجيش والحرس، حيث لم يتم الاكتفاء بالصمود، وتحمّل القصف العنيف والخسائر البشرية والمادية الثقيلة، بل بالرد وقصف الكيان الصهيوني والقواعد العسكرية الأمريكية في دول الخليج العربي والأردن وكردستان العراق، ما ألحق بها خسائر كبيرة بالعتاد والأفراد، انتهاء بإغلاق مضيق هرمز وإدخال الاقتصاد العالمي في أزمة طاقة قادت إلى رفع الأسعار، وارتفاع نسبة التضخم والتأثير على المواسم الزراعية، نتيجة عرقلة تصدير اليوريا من دول الخليج العربي. زادت أزمة الطاقة بسيطرة الحوثيين على مضيق باب المندب، وانفجار المواجهة بين السعودية والحوثيين، فزادت كلفة المعيشة في معظم دول العالم ما دفع شعوبا أوروبية إلى التظاهر ضد الغلاء وتحميل الرئيس الأمريكي مسؤولية الأزمة الراهنة.
مرّ على العدوان الجديد أكثر من ثمانية أشهر وما زالت النتيجة غير محسومة حيث ما زال مضيق هرمز مغلقا والحصار البحري الأمريكي للموانئ الإيرانية قائما، وتبادل التهديدات والوعود والاقتراحات السياسية، عبر الوسطاء مستمرا، لكن من دون وجود استعداد من أي من الطرفين للقبول بالشروط التي يطالب بها الطرف الثاني، مع أنهما في شدة بسبب حالة الجمود في الموقف السياسي، فترامب بنرجسيته لا يقبل أقل من صورة نصر تسجل في إرثه السياسي، وإيران تريد استثمار صمودها والحصول على تعويض جيوسياسي ومالي مناسب.
حصل الجمود على خلفية تقاطع مجموعة من العوامل لعل أولها، صمود إيران أمام القصف والتدمير، وثانيها عجز القوة الأمريكية عن حسم المواجهة بالقصف البعيد والحصار الاقتصادي، اعتادت الولايات المتحدة على الانخراط في حروب طرفها الآخر غير قادر على مواجهة قوتها الساحقة، وغير قادر على تحمّل تبعات قصفها ما يمنحها فرصة فرض شروطها والخروج من المعركة منتصرة، إيران كسرت هذه المعادلة وحشرت الإدارة الأمريكية في الزاوية، ثالثها استثمار الصين للمواجهة والتحرك لإغراق الولايات المتحدة في مستنقع مكلف عن طريق دعم صمود إيران، عبر مدها بمكونات المسيّرات، أكثر من 60 في المئة من المكونات الإلكترونية المستخدمة في المسيّرات، وتزويدها بإحداثيات وصور أقمار صناعية للمواقع العسكرية الأمريكية ساعدتها على تحقيق إصابات مباشرة، حرصا منها على عدم هزيمة إيران، والمحافظة في الوقت نفسه على علاقاتها الخليجية بعدم الظهور كمؤيدة لإيران ضد جيرانها، رابعها التحسب لتأثير المواجهة على الاقتصاد، وارتفاع أسعار النفط والغاز والأسمدة وانعكاسها على حياة الأمريكيين بالتزامن مع استحقاق إجراء انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، خامسها ضغط دول الخليج العربي لوقف الحرب، بعد الضرر الكبير الذي لحق بها ليس بتعطيل تصدير النفط والغاز واليوريا فقط، بل بتعرضها لقصف إيراني مباشر لمنشآت الطاقة ومحطات تحلية المياه والبنى التحتية، مطارات وموانئ، وعجز الآلة العسكرية الأمريكية عن حمايتها، بعدما أدخلتها في أجواء حرب، من دون التشاور معها ولاعتبارات لا تتعلق بمصالحها، اعتبارات تتعلق بصياغة توازن قوى جديد في المنطقة يلعب فيه الكيان الصهيوني دور المهيمن والمقرّر.
تشير المعطيات السياسية والعسكرية، خاصة المعطيات المتعلقة بتسريع إيران وتيرة إعادة بناء منظومة الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية، إلى حتمية العودة إلى جولة جديدة من العدوان على إيران، عبر تأييد ترامب لإعادة انتخاب نتنياهو لرئاسة الوزراء، لأنه متوافق معه في العودة للعدوان على إيران، فبقية المرشحين لا يمكن ضمان التزامهم، لحسم الحرب مع إيران وفتح الطريق أمام تنفيذ خطة ترامب الكبرى للشرق الأوسط بعدها، بفرض الاتفاقات الإبراهيمية على دولها وتنصيب الكيان الصهيوني شرطيا عليها وشريكا في مواردها واقتصاداتها.
يبدو خيار العودة إلى الحرب راجحا وتبعاته على الدول العربية خطيرة، ليس بسبب القتل والدمار المتوقع فقط، بل بسبب النتائج الجيوسياسية التي ستنجم عنها في ضوء سعي أمريكي صهيوني لتدمير قدرات إيران ودفعها نحو الانهيار لتنفيذ خطة ترامب المذكورة، وسعي إيراني لتغيير معادلة الردع وتعزيز مكانتها الإقليمية وبسط هيمنتها على الخليج العربي، فالجولة القادمة ليست كالجولات السابقة بل أكثر قوة وتدميرا، بما في ذلك احتمال استخدام الولايات المتحدة أسلحة نووية تكتيكية عند شعورها بالعجز عن تحقيق هدفها، ونتيجتها كارثية على الدول العربية في حال انتصر التحالف الأمريكي الصهيوني، كما ترجح بعض التقديرات، أو نجاح ايران باحتواء الهجوم وخروجها قوية وفرض خياراتها وتصوراتها على الدول العربية. الحل الوحيد الذي يناسب الدول العربية هو الدفع نحو تسوية سياسية بحل وسط يؤجل النهايات الكارثية، والانطلاق لإعادة ترميم الأمن الوطني والعربي بتكريس سياسة الأمن الجماعي.
كاتب سوري
- القدس العربي


























