ليل الجمعة، خرج مئات من أبناء رنكوس في القلمون بريف دمشق خلف نعوش خمسة من شباب البلدة، بعد يوم من عملية أمنية بدأت صباح الخميس وانتهت بمقتلهم ومقتل عنصرين من قوى الأمن الداخلي. وبين مشاهد التشييع والغضب الذي خيّم على البلدة، احتج الأهالي حول الاتهام الذي وجهته وزارة الداخلية للشبان الخمسة بالانتماء إلى خلية لتنظيم “الدولة الإسلامية”: أين الأدلة التي تثبت ذلك؟
القتلى من أبناء رنكوس هم شادي يونس، يوسف الخطيب، مجد سليمان، أحمد فرعون، ورامي قريش. وتقول وزارة الداخلية إنهم كانوا ضمن خلية مرتبطة بتنظيم “الدولة”، وإن العملية التي نفذتها قوى الأمن الداخلي بالتعاون مع جهاز الاستخبارات العامة أسفرت أيضاً عن مقتل عنصرين من الأمن وإصابة خمسة آخرين.
وتحدثت “القدس العربي” مع خمسة مصادر محلية من الناشطين وأعضاء اللجان المحلية في رنكوس، نفت جميعها معرفتها بأي ارتباط تنظيمي بين الشبان الخمسة و”داعش”. وفي الوقت نفسه، أقرت بوقوع إطلاق نار ومقاومة مسلحة في بعض مواقع المداهمة، ما يجعل جوهر الخلاف مع الرواية الرسمية متعلقاً بهوية المستهدفين وصلتهم بالتنظيم، إضافة إلى طريقة تنفيذ العملية وظروف مقتل كل واحد منهم.
وأصدرت وزارة الداخلية، بعد تصاعد ردود الفعل، بياناً ثانياً قالت فيه إن المهمة الأصلية كانت تنفيذ مذكرات إحضار وتوقيف بحق مشتبه بهم للتحقيق معهم، استناداً إلى “معطيات استخباراتية دقيقة”، وإن القوة تعرضت عند وصولها لإطلاق نار كثيف ومباشر. وتعهدت بعرض نتائج التحقيقات والأدلة أمام الرأي العام بعد استكمال الإجراءات القانونية.
بدأت العملية صباح الخميس، وتجمع الشهادات التي حصلت عليها “القدس العربي” على أن الجزء الأعنف من إطلاق النار وقع بين السادسة والسادسة والنصف صباحاً تقريباً، فيما استمرت المداهمات والانتشار والتوقيفات بعد توقف الاشتباكات.
وتشير الروايات إلى وقائع متفرقة جرت في أكثر من موقع داخل البلدة، ولم يكن الشبان الخمسة مجتمعين في مكان واحد لحظة بدء العملية. وكان شادي يونس، إمام الجامع العمري في منطقة الدير في رنكوس، أول القتلى، بحسب مصدرين تحدثا إلى الصحيفة. وقالا إن روايات متداولة بين شهود محليين تفيد بأنه قُتل بالقرب من الجامع عقب مشادة مع عناصر أمنية. ولم تتمكن “القدس العربي”من التحقق بصورة مستقلة من التسلسل الدقيق للحادثة أو ظروف مقتله.
أما حالة مجد سليمان، فتعد من أكثر وقائع العملية وضوحاً وجدلاً بسبب وجود تسجيل نشرته الأجهزة الأمنية، والتقطته كاميرا مثبتة على صدر أحد عناصر القوة المقتحمة.
ويظهر التسجيل عناصر الأمن أثناء دخولهم محلاً تجارياً قبل تعرضهم لإطلاق نار من داخله. وتعرف أكثر من مصدر إلى المحل وإلى مجد سليمان، مؤكدين أنه كان يعمل فيه وأنه الشخص الموجود في موقع الاقتحام.
وبحسب إحدى الشهادات، أطلق مجد سليمان طلقة واحدة من مسدس لحظة دخول القوة، فرد العناصر بإطلاق نار كثيف. وقال المصدر إن مجد أصيب وتمكن من الخروج من نافذة خلفية للمحل وهو ينزف، قبل أن يتتبع العناصر آثار الدم التي قادتهم إلى المكان الذي لجأ إليه.
ووقعت المواجهة الأعنف، وفق ثلاث شهادات متقاطعة، عند منزل يوسف الخطيب، الذي اشتبك مع القوة الأمنية أثناء محاولة اقتحام منزله، فيما كانت زوجته وأطفاله الصغار داخله.
وتقول الروايات إن يوسف الخطيب ألقى قنابل من أعلى المنزل باتجاه العناصر المقتحمين. وانتشرت في الساعات الأولى معلومات عن سقوط ثلاثة عناصر أمن، فيما تحدثت الحصيلة الرسمية النهائية عن مقتل عنصرين من الأمن الداخلي وإصابة خمسة آخرين خلال العملية كلها.
وتوجه رامي قريش وأحمد فرعون إلى منزل يوسف الخطيب بعد بدء الأحداث لإبلاغه بما يجري، بحسب إحدى الشهادات، ثم علقا داخل المنزل عندما اندلعت المواجهة. ويقول المصدر إن الاثنين لم يكونا مسلحين عند وصولهما، وإنهما قتلا أثناء الاشتباك.
ونشرت وزارة الداخلية صوراً لأسلحة وعبوات وأحزمة ناسفة قالت إنها ضُبطت خلال العملية، كما نشرت مشاهد يظهر فيها أحد المستهدفين يحمل رشاشاً ويرتدي جعبة عسكرية.
ويتركز مطلب الأهالي على الكشف عن الأدلة المتعلقة بكل شخص على حدة، وتوضيح طبيعة علاقته المفترضة بالتنظيم.
نحو أربعين موقوفاً
ولم تقتصر الحملة على الأشخاص الذين استهدفتهم المداهمات الرئيسية، إذ تقدر المعلومات التي جمعتها “القدس العربي” عدد الذين أوقفتهم القوات الأمنية بنحو40 شخصاً.
وكان عدد منهم، وفق الشهادات، موجوداً في الشارع خلال الانتشار؛ بعضهم متوجه لشراء الخبز، وآخرون خرجوا لمرافقة قريبات لهم إلى الحافلة الصباحية التي تقل طالبات من رنكوس إلى جامعة دمشق.
وأدى وجود الطالبات في الشوارع بالتزامن مع إطلاق النار والانتشار الأمني الواسع إلى زيادة حالة الارتباك والخوف لدى العائلات. كما تشير الشهادات إلى توقيف امرأة واحدة على الأقل أثناء الحملة.
وبعد اتصالات ولقاءات بين وجهاء من رنكوس ومسؤولين أمنيين، بدأت عمليات الإفراج على دفعات، وارتفع عدد المفرج عنهم إلى 32 شخصاً حتى صباح السبت، فيما بقي آخرون قيد التحقيق.
وفي المقابل، قالت وزارة الداخلية إنها ألقت القبض خلال العملية على ستة أشخاص وصفتهم بأنهم من أفراد الخلية، ما يشير إلى فارق بين إجمالي من طالتهم عمليات التوقيف والتحري، وعدد الذين تعتبرهم الوزارة جزءاً من الخلية المفترضة.
وتضيف تسجيلات كاميرات المراقبة في سوق رنكوس سؤالاً آخر إلى القضية.
وقال أحد المصادر لـ”القدس العربي” إن عناصر أمنية نزعت وحدات التخزين الخاصة بأنظمة تسجيل كاميرات المراقبة في السوق عقب العملية. وأضاف أن بعض الأهالي يشتبهون في أن الخطوة ربما هدفت إلى منع تداول تسجيلات تظهر تفاصيل إضافية عما جرى.
ولم تتمكن الصحيفة من التحقق بصورة مستقلة من سبب أخذ وحدات التخزين أو من مضمون التسجيلات، كما لا تتوفر معلومات رسمية توضح ما إذا كانت الأجهزة الأمنية تحتفظ بها لأغراض التحقيق.
وتكتسب هذه التسجيلات أهمية في ظل تضارب الروايات، إذ يمكن أن تساعد في إعادة بناء تسلسل الأحداث وتحديد مواقع المستهدفين والعناصر الأمنية خلال الدقائق التي سبقت إطلاق النار وأعقبته.
حساسية مناطقية وشائعات
وتتقاطع أحداث رنكوس مع حساسيات محلية سابقة بين بعض أبناء البلدة وأهالي مدينة التل.
كما تحدث مصدران عن خلاف سابق بين بعض الشبان ومديرية الأوقاف يتعلق بمسجد جرى ترميمه، وقالا إن خلافاً وقع حول تسليم إدارته للأوقاف. وتشير الشهادات إلى تداول اتهامات وشائعات بحق بعض الشبان قبل العملية، من دون أن تتمكن الصحيفة من التحقق من مصدرها.
ولا تتوفر أدلة مستقلة تربط الخلاف مع الأوقاف أو الحساسية المناطقية بالعملية الأمنية أو باتهام الشبان بالانتماء إلى تنظيم “الدولة”، كما لم تشر وزارة الداخلية في بياناتها إلى علاقة من هذا النوع.
وقالت مصادر لـ”القدس العربي” إن قائد الأمن الداخلي في ريف دمشق، العميد أحمد الدالاتي، كان يرغب في زيارة رنكوس والمشاركة في تشييع القتلى ليل الجمعة، في خطوة قالت المصادر إنها هدفت إلى تخفيف الاحتقان.
وأضافت أن وجهاء وأعياناً من البلدة طلبوا منه عدم الحضور في ذلك التوقيت، خشية أن تزيد الزيارة من التوتر. ولم يصدر، بحسب ما اطلعت عليه الصحيفة، بيان رسمي يشرح تفاصيل الاتصالات التي سبقت إلغاء الزيارة.
ويتركز موقف الأهالي على المطالبة بالتحقيق والشفافية وعرض الأدلة، مع الفصل بين المسؤولية عن الاشتباك وبين إثبات الانتماء إلى تنظيم “الدولة”.
وجاءت العملية صباح الخميس قبل أقل من أسبوعين من عرس جماعي كانت رنكوس تستعد لإقامته لـ27 عريساً من أبنائها، بعدما وُجهت الدعوات ووصلت التحضيرات إلى مراحلها الأخيرة.
وخلال يوم واحد انتقلت البلدة من أجواء الاستعداد للاحتفال إلى الحزن والغضب، قبل أن يخرج مئات الأهالي ليل الجمعة في تشييع شادي يونس ويوسف الخطيب ومجد سليمان وأحمد فرعون ورامي قريش.
وبعد مقتل سبعة أشخاص ـ خمسة من أبناء رنكوس وعنصرين من الأمن ـ وإصابة خمسة عناصر أمن وتوقيف نحو 40 شخصاً، أصبحت المطالبة بإظهار الأدلة محور الأزمة.
وقد تعهدت وزارة الداخلية بعرض تلك الأدلة بعد انتهاء التحقيقات، وهو تعهد يضع أمامها أسئلة محددة: ما الأدلة التي تربط كل واحد من القتلى بتنظيم «الدولة الإسلامية»؟ وهل كانت مذكرات الإحضار تشملهم جميعاً؟ ومن منهم كان مسلحاً عند وصول القوة؟ وما حقيقة الرواية التي تقول إن مجد سليمان كان حياً عند وقوعه في قبضة العناصر الأمنية؟
وتبقى الإجابة عن هذه الأسئلة ضرورية لفهم كيف بدأت العملية صباح الخميس باعتبارها مهمة لإحضار مشتبه بهم للتحقيق، وانتهت بمقتل سبعة أشخاص .
- القدس العربي


























