كشفت صحيفة “جيروزاليم بوست” الإسرائيلية عن استمرار تنفيذ الجيش الإسرائيلي عمليات استخبارية سرية داخل الأراضي السورية، تشارك فيها مجندات من وحدة جمع المعلومات التابعة للكتيبة 595، رغم الضغوط الأميركية على إسرائيل لتقليص أنشطتها العسكرية والانسحاب من بعض المواقع التي تسيطر عليها في جنوب سوريا.
ونقلت الصحيفة، في تقرير تضمن مقابلات مع مجندات وضابط إسرائيلي، أن الوحدات الاستخبارية تواصل تنفيذ عمليات مراقبة وتسلل في مناطق مختلفة من جنوب سوريا، بهدف تعقب عناصر تقول إسرائيل إنها مرتبطة بإيران وحركة حماس ومجموعات مسلحة أخرى، وجمع معلومات تستخدمها القوات الإسرائيلية في عملياتها العسكرية.
وأوضحت أن المجندات يعتمدن على المراقبة الميدانية والطائرات المسيّرة، بالتنسيق مع أجهزة استخبارية وقيادات عسكرية، لتحديد تحركات الأشخاص المستهدفين ومواقع وجودهم وأنماط نشاطهم، تمهيداً لتنفيذ عمليات ضدهم.
توغلات تصل إلى 18 كيلومتراً
وأجرت الصحيفة مقابلات مع مجندتين أشارت إليهما بالرمزين “N” و“R”، وضابط برتبة نقيب يحمل الرمز “O”، خلال زيارة إلى مبنى الاستخبارات السورية السابق الذي استولت عليه إسرائيل خلال حرب حزيران/يونيو 1967، بالقرب من ميروم غولان في الجولان السوري المحتل، قبل الانتقال إلى نقطة مراقبة في القنيطرة.
وذكرت أن مجندات الكتيبة 595 ينفذن بصورة منتظمة عمليات داخل سوريا، مشيرة إلى أن مجموعة منهن كشفت، أواخر عام 2025، عن توغلها لمسافة بلغت 18 كيلومتراً داخل الأراضي السورية، متجاوزة المنطقة العازلة التي أقامها الجيش الإسرائيلي عقب سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024.
وشملت العمليات تقديم معلومات وتوجيهات ميدانية إلى الكتيبة 890 التابعة لسلاح المظليين الإسرائيلي، ومراقبة أشخاص قالت المجندات إنهم يعملون لمصلحة إيران أو يرتبطون بعناصر تابعة لها.
وبحسب التقرير، خضع أربعة أشخاص خلال إحدى العمليات لمراقبة استخبارية شملت تحركاتهم اليومية ومواعيد نشاطهم والأشخاص الذين يلتقون بهم.
لكن المجندات رفضن خلال المقابلات الأخيرة الكشف عن المسافات التي تتوغل إليها وحداتهن داخل سوريا، في ظل الضغوط التي تمارسها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على إسرائيل للحد من أنشطتها العسكرية والبدء بانسحابات جزئية من المنطقة العازلة.
مراقبة أهداف مرتبطة بإيران
وقالت المجندة “N”، التي أمضت عامين وثمانية أشهر في الخدمة العسكرية، إن اختيار المناطق المستهدفة بالمراقبة يعتمد على معلومات توفرها القيادات العسكرية وأجهزة الاستخبارات، إلى جانب المعلومات التي تجمعها المجندات من الميدان.
وأضافت أن العمليات قد تستمر ساعات أو أياماً، فيما امتدت بعض المهمات إلى نحو أسبوع أو أكثر، مشيرة إلى ارتفاع وتيرتها خلال الحرب بين إسرائيل وإيران في حزيران/يونيو 2025.
وكشفت عن عملية استمرت أياماً عدة، جمعت خلالها وحدتها معلومات عن أشخاص صنفتهم إسرائيل عناصر معادية، قبل أن تنفذ قوات أخرى عملية ضدهم. وشملت المراقبة تحديد هويات المستهدفين ومعرفة الأشخاص الذين يلتقون بهم ومواعيد اجتماعاتهم وأنشطتهم اليومية.
من جهتها، قالت المجندة “R” إن وحدتها تتلقى طلبات استخبارية محددة من القيادات العسكرية، فيما يتوقف اختيار وسائل المراقبة على طبيعة المهمة وموقع الهدف، مع استخدام الطائرات المسيّرة عندما يتعذر الاقتراب المباشر دون المخاطرة بكشف مواقع الجنود.
وأكدت تصاعد النشاط العسكري داخل سوريا خلال الفترة الأخيرة، وهو ما يظهر من خلال الاستدعاءات المفاجئة لتنفيذ المهمات.
عمليات قتل واعتقال
وتطرق التقرير إلى عمليات أعلن عنها الجيش الإسرائيلي خلال تشرين الأول/أكتوبر الحالي، بينها مقتل السوري يوسف علي الحسن في التاسع من الشهر، بعدما اتهمه الجيش بالارتباط بإيران والمشاركة في أنشطة استهدفت القوات الإسرائيلية، شملت تشغيل طائرات مسيّرة وإطلاق صواريخ من جنوب سوريا.
وفي الرابع من تشرين الأول/أكتوبر، قتل جنود إسرائيليون شخصاً سورياً قال الجيش إنه حاول التسلل إلى موقع عسكري تابع له، قبل أن يتبين أنه لم يكن مسلحاً. وفي اليوم التالي، أطلقت القوات الإسرائيلية النار على شخصين اقتربا من موقع عسكري على متن دراجة نارية، ما أدى إلى إصابة أحدهما، قبل اعتقالهما ونقلهما للتحقيق.
استمرار العمليات رغم الضغوط الأميركية
وقال النقيب “O”، الذي يقود السرية التابعة لها المجندتان، إن الجيش الإسرائيلي استغل سقوط نظام الأسد للتقدم إلى مواقع جديدة داخل سوريا، بهدف إقامة مواقع دفاعية متقدمة.
وأضاف: “لم يكن السؤال ما إذا كنا سندخل لإقامة منطقة عازلة في سوريا، بل متى سندخل حتى نتمكن من الدفاع انطلاقاً من موقع متقدم“.
وأكد أن القرارات المتعلقة بالانسحاب أو استمرار الانتشار تتخذها المستويات السياسية والعسكرية العليا، مشيراً إلى أنه لم يلاحظ تغييراً واضحاً في حجم العمليات اليومية نتيجة الضغوط الأميركية.
وقال إن المنطقة تشهد احتكاكاً متزايداً، وإن محاولات إنشاء بنى تحتية لمجموعات معادية داخل سوريا مستمرة، رغم تقارير عسكرية سابقة تحدثت عن مغادرة معظم العناصر المرتبطة بإيران الأراضي السورية.
تصاعد التوتر مع السكان السوريين
وأشارت “جيروزاليم بوست” إلى تزايد التوتر بين القوات الإسرائيلية والسكان السوريين في مناطق انتشارها جنوب سوريا، مؤكدة حصولها على معلومات مستقلة بشأن ارتفاع حوادث رشق الجنود بالحجارة وتنامي الاستياء المحلي من استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي.
لكن المجندتين قللتا من حجم التوتر، وقالتا إن الجنود لا يزالون يتلقون استقبالاً ودياً من بعض السكان، مع إقرارهما بوقوع مواجهات متوترة أحياناً.
وكشف التقرير أيضاً عن مشاركة مجندات الوحدة في عمليات استخبارية مرتبطة بلبنان والأردن، بينها مهمات خلال التوغل الإسرائيلي في لبنان مطلع عام 2026.
وأشار إلى أن النساء يشكلن أكثر من نصف أفراد الوحدة، رغم استمرار اعتراضات داخل بعض التشكيلات العسكرية الإسرائيلية على مشاركتهن في المهمات القتالية.
وأكدت المجندات استمرار عمليات المراقبة وجمع المعلومات داخل سوريا، في وقت لم تتضح فيه انعكاسات الضغوط الأميركية على مستقبل الانتشار العسكري الإسرائيلي في الجنوب السوري.
- المدن


























