لم تفت على السوريين واقعية تفهم مخاطر بقايا النظام المخلوع والمتضررين من هزيمته. فقد كان معروفاً منذ انتصار الثورة أن قوى الثورة المضادة وداعميها من الخارج ستعمل كل ما تستطيع لإثارة الفوضى، وإجهاض مشروع نهضة سوريا الجديدة، ولو أدى الأمر إلى تدمير البلاد بالكامل، أو ليسوا هم من كان يقول: “الأسد أو نحرق البلد”؟
هذا لم يغب عن وعي الناس، لكن ما نشرته صحيفة نيويورك تايمز من تفاصيل ومعلومات حول المؤامرة على سوريا من جانب هؤلاء، كان مهماً للغاية من أجل فهم حجم المؤامرة، وخطورتها، وكذلك خطورة التغاضي عنها أو عدم المبادرة السريعة والحاسمة لؤادها وهي في مرحلة الإعداد وجس النبض.
يكشف التحقيق المعمق للصحيفة عن عمليات تسليح وتجهيزات جاري الإعداد لها، ومجموعات ضغط في واشنطن بملايين الدولارات تعمل ضد الدولة السورية الجديدة، ومخططات لفصل أجزاء من سوريا، وكذلك الاستعانة بميليشيات من العراق وبالطبع طابور خامس موجود داخل سوريا لغرض تنفيذ هذه المخططات.
غالبية المتآمرين يعملون من أماكن هروبهم في لبنان وروسيا والإمارات. وهم يعتمدون على عناصر في الداخل، يقومون من خلالها بإثارة الاضطرابات والفتن، واختلاق الأزمات، والتخطيط للاعتداءات على قوات الأمن، من أجل افتعال صدامات مسلحة توحي بانعدام الأمن في البلاد أو تعرض الأقليات للاضطهاد لا سيما في الساحل السوري، وبالطبع، فهناك جهات تنفق ملايين الدولارات لبناء لوبي نشط في الولايات المتحدة، للدفع باتجاه معاداة سوريا الجديدة، واستخدام الأحداث التي يجري افتعالها، لغرض وقف الدعم الأميركي لدمشق.
وفيما تختلف طهران وتل أبيب في كل شيء وتتفقان في سوريا، فإن دور لبنان يبدو مثيراً للريبة. فحتى الآن ترفض بيروت الاعتراف بوجود عناصر النظام المطلوبين من قبل سوريا والانتربول، بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية على أراضيها، وفضلا عما ذكرته النيويورك تايمز من أمر قيام إيران بنقل أكثر من 20 طياراً من مؤيدي النظام المخلوع للإقامة في بيروت، فإن ما نشرته “المدن” من أمر قيام حزب الله بانشاء مجمع سكني خاص في منطقة الهرمل لإقامة مئات العائلات التي نزحت من سوريا بعد سقوط النظام، هو بدوره أمر أبعد من مجرد “لفتة إنسانية” من قبل الحزب، ولا يخرج عن فكرة الاستفادة من هؤلاء النازحين سواء كانوا قيادات وعناصر عسكرية أو مواطنين من منطقة الساحل هربوا تحت الاعتقاد بالتهديد بعد سقوط النظام. كل هؤلاء يمكن أن يتحولوا في لحظة ما إلى أداة لاستهداف سوريا بعدما يجري ربط “استضافتهم” بالعمل النشط في معارضة النظام، وهو أمر تعرفه دول المنطقة جيداً مع بعضها البعض.
ويبدو أن طبيعة الأولويات الضاغطة سواء على إيران أو على حزب الله أو حتى على الميليشيات العراقية، تجعل من مهمة استخدام الهاربين السوريين قضية قابلة للتأجيل لبعض الوقت، حتى تستبين نوايا إسرائيل وأميركا وفرص عودة الصراع المسلح في المنطقة. فذلك عند هذه الأطراف مهمة وجودية، لا يمكن من دون حسمها ومعرفة نتائجها الانتقال إلى مشاريع مثل النيل من سوريا الجديدة وإسقاط تجربتها.
بطبيعة الحال، ذلك لن يوقف محاولات قيادات الهاربين سواء كانوا من قوات الأسد أو أقاربه، فهؤلاء، يواصلون التركيز على أولويتهم الوحيدة، المتمثلة بالعودة للسلطة أو على الأقل تقسيم سوريا وإنشاء كيان يتحكمون به على الساحل، لكن تبقى جهود هؤلاء محدودة التأثير وسط اضطرابات المنطقة ومن دون استغراق إيراني جاد في الدعم والمساندة بسب اختلاف الأولويات. ومثل هذا الأمر ربما يوفر فرصة مهمة وسانحة من الوقت للقيادة السورية كي تقوم بما يجب لتفتيت العناصر المتآمرة، والضغط على الدول التي تستضيفهم، كي تقوم بما يجب لتسليمهم حسب مقتضى الاتفاقات الثنائية والدولية، لا سيما وأن عناصرهم الأساسية متهمة رسمياً بارتكاب جرائم ضد الشعب السوري، وبعضها صدرت بحقه اتهامات نافذة في محاكم أوروبية.
لا يجوز التغاضي عن التهديد الذي يمثله هؤلاء مهما بدا أنهم ضعفاء ومعزولون عن الشعب السوري. ففي لحظة ما، يمكن أن تجتمع مصالح أطراف مختلفة لدعمهم، وحينها سيكونون أكثر شراسة وقدرة على الإيذاء، ويمكن أن يتسببوا بأضرار لسوريا في تجربتها الفتية، وهي في أمس الحاجة إلى الاستقرار والسلم الأهلي. صحيح أن هؤلاء مجرد ذيول لرأس مبتورة، لكن أي ضرر منهم سيكون أمراً سيئاً ما كان يجب أن يحدث، وفي لحظة غفلة قد يصبح خطيراً ومؤثراً.
- المدن


























