يثير تطور الذكاء الاصطناعي الذهول، لكن أعظم القفزات في تاريخ الجنس البشري كانت دائماً كذلك
مثلما غيّرت الكتابة ذاكرة الإنسان وطريقة تفكيره قبل آلاف السنين، يعيد الذكاء الاصطناعي اليوم تشكيل قدراته الذهنية، مانحاً إياه فرصاً غير مسبوقة للتعلم والإبداع، لكنه يثير مخاوف من إضعاف مهاراته وزيادة اعتماده على التكنولوجيا. تكشف الدراسات أن هذه الأدوات قد تعزز الأداء على حساب التعلم الحقيقي والتنوع الإبداعي، فيما يثبت التاريخ أن الإنسان لم يتوقف يوماً عن إعادة تشكيل نفسه بابتكاراته، وأن ما يحدد مكاسب الذكاء الاصطناعي وخسائره هو طريقة استخدامه.
في الكتاب السادس من ملحمة “الإلياذة“، يقف المحارب الليقي غلوكوس في مواجهة البطل الإغريقي الشديد البأس ديوميديس، ويحدثه بفخر عن نسبه العريق، لا سيما جده بيليروفون، أحد أعظم قتلة الوحوش في الأساطير، الذي اشتهر خصوصاً بترويض بيغاسوس، الحصان المجنح.
هذا المقطع القصير أحد أكثر مقاطع “الإلياذة” إثارة للجدل، لا لما يرويه من معارك، بل لسبب بسيط، يتمثل في أنه الموضع الوحيد في أعمال هوميروس كلها الذي يبدو أنه يلمح إلى ممارسة الكتابة، إذ يشير إلى “نقش علامات كثيرة تنذر بالموت على لوح مطوي” يسلم إلى ملك ليقيا، ولئن تضاربت الآراء في تأويل هذا المقطع، فإنه يستحضر صورة مجتمع سابق لانتشار الكتابة يمر بمرحلة تحول تكنولوجي، كانت الكتابة فيه نادرة أو حديثة العهد إلى حد كان يستلزم شرحها لمن تلقوا القصيدة شفهياً في ذلك الزمن.
واليوم، يمر مجتمعنا بتحول تكنولوجي مغاير يتجلى في الذكاء الاصطناعي. من البرامج الذكية التي تساعد المستخدمين في إنجاز المهام، مروراً بوكلاء الذكاء الاصطناعي، وصولاً إلى روبوتات الدردشة المخصصة للمرافقة والسيارات ذاتية القيادة، تختلف الثورة الراهنة عن كل ما شهدناه في حياتنا سواء في سرعتها أم نطاقها أم حجمها. هكذا، في غضون أقل من خمس سنوات، انتقلنا من أنظمة تتعثر في ضرب أعداد من خانتين إلى نماذج تدفع حدود الرياضيات إلى آفاق جديدة، ومن فن مولد بالذكاء الاصطناعي أخفق في إظهار أصابع اليد البشرية بعددها الصحيح، إلى شخصيات بشرية يولدها الذكاء الاصطناعي في مقاطع فيديو آنية، ولا ينفك التمييز بينها وبين أشخاص حقيقيين يزداد صعوبة.
وتشترك ثورة الذكاء الاصطناعي مع التحول الذي أحدثته القراءة والكتابة في سمة أخرى، إذ يبدو أنها تغير أيضاً طريقة تفكيرنا، ولا تزال الأدلة العلمية في هذا المجال حديثة ومحدودة، فيما يجعل تسارع التطورات الدراسات تتقادم بسرعة. ومع ذلك، تكشف الأبحاث الأولية عن صورة مختلطة تجمع بين فوائد حقيقية وأخطار محتملة. فالذكاء الاصطناعي، على سبيل المثال، يمكن أن يسرع عملية التعلم ويعززها، ولا سيما عندما يكيف بعناية مع المهمة المطلوبة ويستخدم إلى جانب الخبرة البشرية. وفي إحدى الدراسات التي أجريت في مدينة بنين بنيجيريا، أتيح للتلاميذ استخدام معلم قائم على الذكاء الاصطناعي التوليدي بعد انتهاء الدوام المدرسي، بدعم من معلميهم. وخلال الأسابيع الستة التي استغرقتها الدراسة، حقق التلاميذ تقدماً قدره البنك الدولي بما يعادل نحو عامين من التعلم المعتاد.
لكن هذه الفوائد لا تأتي من دون ثمن، فقد ينشأ عن استخدام الذكاء الاصطناعي نوع من الاعتماد الذهني، يتحسن معه أداء الأفراد عند استخدامه، لكنه يتراجع حين لا يكون متاحاً لهم. ففي دراسة تعود لعام 2023، قيم عدد من الباحثين مستوى التعلم لدى تلاميذ المرحلة الثانوية في تركيا في مادة الرياضيات. أعطيت مجموعة الضبط كتباً مدرسية، فيما استخدمت إحدى المجموعتين التجريبيتين النسخة الجاهزة من نموذج الذكاء الاصطناعي “جي بي تي – 4″، واستخدمت المجموعة الأخرى نسخة تعليمية متخصصة تقدم تلميحات بدلاً من الإجابات. في النتيجة، ارتفعت درجات التلاميذ الذين استعملوا النسخة الجاهزة من “جي بي تي- 4” في التمارين بنحو 48 في المئة، ولكن درجاتهم في الاختبار اللاحق، الذي خضعوا له من دون الاستعانة بالكتب، جاءت أقل بنسبة 17 في المئة مقارنة بالمجموعة التي استخدمت الكتب المدرسية، مما يشير إلى اعتمادهم المفرط على الذكاء الاصطناعي، (واللافت أن النسخة التعليمية التي تكتفي بتقديم تلميحات لم تؤد إلى تراجع مماثل في الدرجات).
وإلى جانب المخاوف من الاعتماد على الذكاء الاصطناعي، يخشى كثر أن يقلل الذكاء الاصطناعي من التنوع الثقافي ويجعل الإنتاج الإبداعي أكثر تشابهاً. وفي دراسة أخرى شملت 293 كاتباً، تبين أن الكتاب الذين استعانوا بأفكار قصصية قدمها الذكاء الاصطناعي أنتجوا نصوصاً كانت، في نظر المحكمين، أكثر إبداعاً، وكانت الفائدة الأكبر من هذه الأفكار من نصيب الكتاب الأقل إبداعاً. غير أن القصص ازدادت، في الوقت نفسه، تشابهاً.
والمثير للاهتمام أن اليونانيين كانت لديهم مخاوف مماثلة حول الآثار الذهنية التي تطرحها الكتابة، في مقطع كثيراً ما يستشهد به اليوم من محاورة “فيدروس” الشهيرة للفيلسوف اليوناني أفلاطون، يروي سقراط أسطورة اختراع الكتابة والتحذير الذي رافق ظهورها، إذ يقول: “إن هذا الاكتشاف الذي توصلت إليه سيغرس النسيان في نفوس المتعلمين، لأنهم لن يستخدموا ذاكرتهم، بل سيعتمدون على الحروف المكتوبة خارج أذهانهم، ولن يتذكروا بأنفسهم”.
ربما نندفع إلى اعتبار هذه المخاوف نوعاً من الهلع الأخلاقي، ولكن هواجس أفلاطون كانت وجيهة بالفعل. وبالعودة قليلاً لهوميروس، فقد طرح منذ البدايات الأولى لتلقي قصائده سؤال عما إذا كانت من إبداع عقل يعرف الكتابة أم عقل أمي، وأفترض كثر أن الطبيعة المعقدة التي تتسم بها القصائد وضخامة حجمها ما كانا ليتحققا لولا الاستعانة بالكتابة. وفي ثلاثينيات القرن الـ20، قدم الباحث الأميركي في الدراسات الكلاسيكية ميلمان باري إسهاماً رئيساً في هذا النقاش، إذ سافر إلى منطقة البلقان لدراسة التقاليد الشفوية الحية لدى رواة الملاحم ومنشديها من الشعوب السلافية الجنوبية.
تتيح لنا التكنولوجيا إنجاز المزيد والتفكير بطرائق جديدة، فتجعل المعارف والمهارات القديمة غير ضرورية وتعزز اعتمادنا عليها
كان كثر من هؤلاء المنشدين أميين، ولكنهم مع ذلك امتلكوا ذاكرة استثنائية للمادة الشعرية التي كانوا يؤدونها مكنتهم من إنشاد قصائد معقدة تمتد آلاف الأبيات من دون الاستعانة بأي نص مكتوب، مع إعادة صياغتها من جديد في كل مرة. وقد عززت هذه الممارسة الرأي القائل إن ملحمتي “الإلياذة” و”الأوديسة” ربما تكونان نتاجاً لتقليد شفهي. وبالطبع، يعزى جانب من قدرة هؤلاء الرواة على تحقيق مثل هذه الإنجازات في الحفظ والارتجال إلى أن كسب عيشهم كان يعتمد عليها، فإذا كانت الحاجة أم الاختراع، فإن زوالها ربما يقود إلى فقدان تلك القدرات نفسها.
بكلمات أخرى، تتيح لنا التكنولوجيا إنجاز المزيد والتفكير بطرائق جديدة، من ثم تجعل المعارف والمهارات القديمة غير ضرورية، وتعزز بذلك اعتمادنا عليها، غير أن جنسنا البشري يعقد مثل هذه المقايضات منذ ما قبل ظهور الإنسان العاقل نفسه. فقد مكن استخدام النار وطهو الطعام أسلافنا من استخلاص طاقة أكبر من كميات أقل من الغذاء، فأصبحت أجسامهم تعتمد عليهما، وصارت أسنانهم وفكوكهم وأجهزتهم الهضمية أصغر حجماً. أما الزراعة، فقد مكنت أسلافنا من إطعام أعداد من البشر أكبر بأشواط مقارنة بما وفره الصيد وجمع الثمار، ولكنها في الوقت نفسه جعلت المعرفة العميقة بالعالم الطبيعي أقل ضرورة، بما في ذلك معرفة الأعشاب والنباتات، وتمييز أنواع الفطر والتوت الآمنة للأكل.
بدورها، أعادت القراءة تشكيل الدماغ نفسه. فقد وجد عالم الأعصاب ستانيسلاس ديهان وزملاؤه أن اكتساب مهارة القراءة والكتابة يعيد تنظيم جزء من النظام البصري في الدماغ ليصبح متخصصاً في معالجة الكلمات المكتوبة، مع انخفاض طفيف في نشاطه عند رؤية الوجوه. وكما يرى الفيلسوف البريطاني آندي كلارك، نحن بطبيعتنا كائنات هجينة توسع قدراتها بالتكنولوجيا، إذ تتحدد طبيعتنا بهذه القابلية للامتداد، التي تتجلى في لدونة أدمغتنا ومرونة ثقافتنا.
ليس على وجه المعمورة نوع حي يعيد تشكيل نفسه بقدر ما يفعل الإنسان، ربما تكيف السناجب والدببة وحيوانات البنغولين (آكلات النمل الحرشفية) سلوكها مع تغير الظروف البيئية (التي يفرضها النشاط البشري في الغالب)، ولكن طبائعها أشبه بالصخر لا الطين، وقد نحتتها على مهل رياح التطور الدارويني وأمواجه.
وإذا كان من استثناء لهذه القاعدة بين الكائنات غير البشرية، فيتمثل في الحيوانات التي أدخلناها إلى عالمنا: الأبقار والأغنام والخنازير والماعز والقطط، وفوقها جميعاً الكلاب والخيول. ومع شيوع وصف الاستئناس اليوم بأنه عملية يشارك فيها الطرفان، إذ يقال إن الكلاب استأنست نفسها جزئياً، فإن العيش إلى جانب البشر والخيارات التي اتخذناها أعادا تشكيل هذه الحيوانات.
وليست أشكال الذكاء الاصطناعي التي نعكف على تشكيلها اليوم سوى امتداد، بمعنى ما، لتلك المسيرة. فربما تبدو أغرب من أشكال الذكاء لدى الحيوانات، ومع ذلك تبدو، على نحو ما، أشد شبهاً بالبشر، ولكنها ليست أول رفاقنا في هذه المسيرة. وهذه القدرة على تشكيل ذواتنا والعالم من حولنا وإعادة تشكيلهما، والنزوع إلى ذلك، سمة لازمتنا منذ زمن يسبق عصر هوميروس بوقت طويل. وكان عالم هوميروس حافلاً بالابتكارات بالفعل، عالماً من سفن وجيوش، ورماح ودروع، وخيول ومركبات حربية، وأمم تتحارب وتتاجر، وملوك وملكات، ومعابد ومدن ومزارع. وفي الحقيقة، ربما يكون التغير جزءاً أصيلاً من طبيعتنا، غير أننا لا نقف مكتوفي الأيدي أمامه.
أظهرت الدراسة في الفصول الدراسية التركية أن أداة ذكية كانت تقدم إجابات جاهزة أفضت إلى نتائج مغايرة تماماً لنتائج أداة اكتفت بتوجيه التلاميذ إلى اكتشاف الحقيقة بأنفسهم. وإذ ندخل فصلاً جديداً ربما يكون الأكثر طموحاً في تاريخ جنسنا البشري، لا يزال من المبكر الجزم بالمكاسب والخسائر التي سيجلبها الذكاء الآلي. ولكن علينا أن ننظر إلى هذه المسيرة بعيون مفتوحة، وأن ندرك حقيقتها. إنها الخطوة التالية في الرحلة الغريبة لنوع غريب: الإنسان المتغير Homo mutabilis، الذي يكمن جوهره في التغير.
© The Independent
- إندبندنت






















