بعد يومين من الأخبار التي تداولها السوريون، في السوشيال ميديا وبعض وسائل الإعلام، أصدرت وزارة التربية والتعليم السورية بياناً يخص تعديلها المناهج التعليمية، وهو الموضوع الذي صار مثار نقد وسخرية حتى من قبل الذين يُعرفوا باسم “المطبّلين”، وهم الذين واظبوا على تبرير كل ما يصدر عن السلطة، ولو حدث أن اعترفت الأخيرة بخطأ ما. بيان الوزارة يبدو كأنه موجه للفئة الأخيرة تحديداً، كي يستأنف أفرادها مسيرتهم، بصرف النظر عن فحوى البيان، وعمّا إذا كان ينصرف حقاً إلى الموضوع المُثار.
لقد تكرر الأسلوب ذاته منذ تسلمت السلطة الحالية مقاليد الحكم، وهو على الشكل التالي: يُفتضح أمر ما يخص السلطة، فينبري الموالون أولاً إلى التشكيك، ثم عندما يتأكد الأمر تذهب السلطة أو موالوها إلى الحديث في شأن آخر تماماً، أي باستخدام ما يُسمّى مغالطة “رجل القشّ” لجهة حرْف مسار النقاش. مثلاً: إذا ثار الحديث عن قرار لمدير في الساحل يحاول مواربة إلزام الموظفات لديه بالحجاب، ينبري الموالون، أو مسؤول في السلطة نفسها، للقول إن هناك موظفات سافرات في دمشق ولا أحد يتعرّض لهن. وإذا صدرت انتقادات لأن محافظة دمشق تضيّق على أماكن شرب الكحول وبيعه، يأتي من يقول إن المطاعم في حلب تقدّم الكحول كالمعتاد، ولا يوجد قرار بمنعها. ننوّه بأن المثالين السابقين قد حدثا حقاً، وغيرهما الكثير مما يمكن اعتباره نهجاً لا اعتباطاً.
إذن، لم يتضمن بيان وزارة التربية والتعليم السورية رداً واضحاً وصريحاً على التعديلات التي قوبلت باستهجان، ومنها حذف صور فتيات صغيرات من صور المنهاج الموجود قبل السلطة الحالية، وتحجيب نساء موجودات أصلاً في صور أخرى. بل طال الأمر تحجيب صور لنساء من عهود قديمة، وصولاً إلى ستر جسم تمثال فرعوني. ناهيك عمّا يمسّ شخصيات تاريخية، مثل حذف الفقرة الخاصة بعبد الرحمن الكواكبي، مؤلف الكتاب الشهير “طبائع الاستبداد”، وأيضاً تعديل الفقرات الخاصة بثورتي صالح العلي في الساحل والثورة السورية الكبرى التي قادها سلطان باشا الأطرش “الدرزي”. يتبين أيضاً أن الوزارة بقيت على موقفها بإلغاء الفقرة الخاصة بنظرية التطور عند داروين في مقرر العلوم، وأدخلت تعديلات من قبيل وضع عنوان لخريطة تشير إلى موقع سوريا من “الأمة الإسلامية” بدلاً من العنوان القديم الذي ينص على موقعها من “الوطن العربي”.
وبينما لا يجيب بيان الوزارة على ما يتعلق بأيّ من التعديلات المذكورة وسواها، فإنه يشير إلى صور لم يتم العبث بها ضمن المناهج، تحديداً بعض الصور التي تتضمن فتيات صغيرات سافرات، وطبيبات سافرات أيضاً، وصورة من زفاف ريفي تظهر فيه العروس سافرة! بينما لا يشير بيان الوزارة إلى تعديلات أخرى، منها ما له بعد سياسي لا يتعلق برموز النظام السابق، مثل حذف جمال عبدالناصر من صورة تجمعه مع شكري القوتلي، مع الإبقاء على صورة الثاني المقتطعة من الصورة الأصلية، ومنها ما يتعلق بمنهاج العلوم الذي يجب أن يكون أصلاً خارج التسييس. وردُّ الوزارة تحديداً على مسألة الحجاب وإقصاء النساء، ومن هن في عمر الطفولة أيضاً، يمكن فهمه على محمل المثل المعروف يكاد المريب يقول: خذوني.
مع ذلك من المرجح أن يقنع بيان الوزارة جمهوراً جاهزاً ليقتنع بأي بيان يصدر عما يعتقد أنها سلطته، ويمكن لماكينة الجمهور نفسه الاشتغال على السوشيال ميديا لترويج البيان وتبنّيه، ومن ثم إلحاق ما يُظنّ أنها هزيمة نكراء بالمنتقدين. ومن المعلوم أن السوشيال ميديا، وحتى معظم الإعلام بشقّه اليومي، سرعان ما يتجاوزان الخبر الذي أصبح تريند قبل ساعات. هكذا يُقفل السجال، وتبقى المناهج على حالها إلى أن يكشف أحد ما شيئاً مشابهاً يثير ضجة مشابهة للتي أحدثها الصحفي محمد السلوم الذي بادر إلى نشر صور للمقارنة بين المنهاج القديم والجديد بعد التعديلات.
بالطبع جمهور السلطة ليس واحداً، فهناك الذين ترضيهم تعديلات الوزارة أكثر من بيانها، وهناك الذين تحرجهم التعديلات، ويريدون بياناً كالذي صدر كي يستروا به حرجهم. وثمة أيضاً من يحاول مسك العصا من المنتصف، باحتساب التعديلات والبيان نوعاً من التوازن، ومنه التوازن بين أجنحة مزعومة ضمن السلطة، ليخلص أصحاب هذا الرأي إلى ضرورة مراعاة الأشد تطرفاً ضمن السلطة، إلى أن يتمكن المعتدلون فيها من إقصائهم أو دفعهم إلى اعتدال مماثل!
لا تحتاج إلى مستوى عقلي متقدم المراوغاتُ والمغالطات التي تقدّمها الوزارة، وهي ليست الأولى من هذا القبيل التي تقدّمها السلطة، ويمكن لأي طالب متوسط المستوى الدراسي (أو أدنى) أن يفهم ما فيها من تحايل على الحقيقة والواقع. ببساطة سيدرك هذا الطالب، غير المسيَّس، أن الوزارة المسؤولة عن تربيته وتعليمه (بموجب تسميتها) تتهرب من الإجابة على السؤال إلى إجابة على سؤال غير مطروح. واللباقة التي تجعلنا نستخدم كلمة (تهرّب) قد يجدها هذا الطالب وزملاؤه نوعاً من جبن عن استخدام تعابير أكثر تداولاً. في كل الأحوال تقدّم الوزارة، بسلوكها هذا، المثل المناقض تماماً لما ينبغي أن يكون لطلاب سوريا، من حيث اعتماد الشفافية واحترام العقول، واحترام النقد بالرد عليه بلا مراوغة، فلا تقدّم النموذج اللائق بدورها التربوي.
أما عن النهج اذي يتجاوز الوزارة تحديداً فإن الاستمرار به سيكون مؤشّراً لا على غياب الانسجام ضمن السلطة نفسها، وإنما سيُفهم بوصفه سلوكاً متعمداً، تمرر من خلاله السلطة تدريجياً ما يتناسب مع الأيديولوجيا الأصولية التي أتت منها. وجدير بالذكر أنه لم يبدر عن السلطة نفسها ما يفيد بتخليها عن تلك الأيديولوجيا، وكل ما قيل في هذا الصدد أتى من أشخاص يتمنون أن تتخلى حقاً عن عقيدتها السلفية الجهادية، وأن تكون مضطرة لذلك بموجب المقتضيات العمومية للسلطة. يخلط أصحاب الأمنيات بين التخفف من الأيديولوجيا والبراغماتية، بينما حضور الثانية قد يكون لخدمة الاستثمار في الأولى، لا تخلياً عنها.
يحكى أن عبد الملك بن مروان، عندما وصلته الخلافة، أغلق القرآن وقال: هذا آخر العهد بك. والعبارة التي اشتُهرت لا تعني انقطاعه عن الإيمان، وإنما تدلّ على فهمه الذي يفصل بين مقتضيات الإيمان ومقتضيات السياسة والحكم. تلك العبارة لم تكن الأمثولة الوحيدة المنقولة عنه، فعبد الملك بن مروان لطالما وصِف بأنه المؤسس الثاني للدولة الأموية التي يبدو أن من يزعمون الانتساب إليها لم يقرأوا تاريخها جيداً، ولم يتعظوا من إنجازات الخليفة عبدالملك في العديد من ميادين الحكم. على الأرجح، مؤهلاته هذه غير مرغوب بها حتى في مقرر مادة التاريخ.

























