تستمر التطورات الميدانية في الجنوب السوري، ومعها استمرار التوغلات والانتهاكات الإسرائيلية للسيادة الوطنية، في وضع الإدارة السورية أمام استحقاقات شاقة وتساؤلات مجتمعية ملحة.
ومع تكرار الانتهاكات اليومية التي تتجاوز حدود التفتيش والسيطرة لتصل إلى قضم الأراضي واختطاف المدنيين، كما حدث مؤخراً في فاجعة مقتل الشاب معاذ سلامة البعير، تتصاعد نبرة الشارع السوري متسائلة عن حدود “ضبط النفس”، وعن جدوى الرهان الحصري على الخيارات الدبلوماسية، والسبب وراء غياب أي رد عسكري، ولو كان محدوداً أو رمزياً، حتى في الحالات التي تُحلّق فيها طائرات استطلاع مسيّرة إسرائيلية لساعات في سماء العاصمة دمشق من دون أن تُجابه بأي نيران مضادة.
وتفتح هذه المشاهدات الباب لمناقشة طبيعة الموقف الحكومي: هل ينطوي الأداء الراهن على تعقّل زائد وحذر مبالغ فيه لمنع الانجرار إلى مواجهة غير محسوبة النتائج؟ أم إنه يعكس واقعاً من قلة الحيلة وفرضيات “عجز الإمكانات” الميدانية في مرحلة ترتيب البيت الداخلي وإعادة بناء المؤسسات الأمنية والعسكرية؟
إن التحليل السياسي والعسكري للواقع السوري يشير إلى أن الطرفين يقفان على أرضية من الحقيقة. فالإنهاك الذي تعرضت له مؤسسات الدولة والتوازنات الإقليمية والدولية المعقدة يجعل من خوض مواجهة نظامية حرقاً لأوراق سياسية مجدية، وربما استدراجاً لتصعيد إسرائيلي أوسع يستغل السيولة الأمنية. غير أن الاقتصار على الصمت الميداني التام يُقرأ أحياناً كضعف يغري الاحتلال بالتوسع، ويحرم دمشق من بناء قوة ردع معنوية، مما يفرض البحث عن بدائل شعبية وميدانية تتكامل مع المسار الدبلوماسي.
من المهم أيضاً التوثيق الحقوقي والدبلوماسي من خلال رصد الانتهاكات بالصوت والصورة ونقلها إلى الأمم المتحدة والهيئات الدولية لتعزيز موقف الدولة الدبلوماسي وإظهار إسرائيل بمظهر الطرف المعتدي.
في هذا السياق تحديداً، تبرز “المقاومة الشعبية” كنمط نضالي مجتمعي متمايز عن المواجهة العسكرية المسلحة المباشرة. وهي استراتيجية تعتمد على مشاركة الأهالي والجماعات المحلية بوسائل مدنية وسلمية تكفلها المواثيق الدولية لمواجهة سياسات الاستيطان والتجريف، على نحو المظاهرات التي شهدتها مناطق سورية عدة مؤخراً، والتي من غير المستبعد أن تتوسع مستقبلاً لتشمل وسائل أخرى أكثر شمولاً وديمومة.
ولأن قدرات القوات الحكومية الميدانية في الجنوب ما تزال تحت وطأة الظروف الراهنة، فإن المراهنة على الصمود الشعبي تقوم على ركائز عملية أساسها التمسك بالأرض والتصدي الهادئ عبر إعادة زراعة الحقول وتسييجها جماعياً فور تجريفها من جانب قوات الاحتلال، وتثبيت الملكيات العقارية، وتشكيل تعاونيات زراعية وتجارية تساعد المزارعين والرعاة على مواجهة الحواجز والممارسات الإسرائيلية.
يُضاف إلى ذلك التنظيم الأهلي ولجان الحراسة عبر تفعيل دور وجهاء وشبان القرى لمراقبة التحركات على التخوم، ورصد محاولات التسلل، وتوفير التضامن السكاني والإغاثي للبلدات المعزولة.
كما ينبغي الاستلهام من تجربة أبناء الجولان المحتل في رفض أي تسهيلات أمنية أو بطاقات يعرضها الاحتلال لإحداث شرخ مجتمعي، وتفويت الفرصة على محاولات استغلال حاجة السكان المحليين.
ومن المهم أيضاً التوثيق الحقوقي والدبلوماسي من خلال رصد الانتهاكات بالصوت والصورة ونقلها إلى الأمم المتحدة والهيئات الدولية لتعزيز موقف الدولة الدبلوماسي وإظهار إسرائيل بمظهر الطرف المعتدي.
ولا شك أن الوقفات الاحتجاجية والتظاهرات الحاشدة التي شهدتها المحافظات السورية من دمشق وحمص وحماة إلى القنيطرة ودرعا والحسكة والرقة، تُمثل نقطة تحول لافتة. إذ توفر هذه الهبة الشعبية للحكومة السورية سنداً معنوياً وأداة ضغط سياسية أمام المجتمع الدولي، لتأكيد أن الاعتداءات الإسرائيلية لا تمس السيادة فقط، بل تستنزف المجتمع السوري بكامله.
سواء اتجهت السياسة الإسرائيلية مستقبلاً نحو مسارات تفاوضية ترعاها واشنطن وقنوات إقليمية (في حال تغير القيادة السياسية في تل أبيب وجرى تجديد الالتزام باتفاقية فض الاشتباك لعام 1974)، أم استمرت إدارة نتنياهو في نهج القضم التدريجي؛ فإن قوة الموقف السوري تبدأ من الداخل.
ومن المرجح أن يتحول هذا المسار إلى تكتيك مستدام بتسهيل وغطاء غير مباشرين من الدولة، من خلال تنظيم اعتصامات قرب شريط الفصل وتفعيل اللجان الأهلية للرصد. وتزداد فعالية هذا الخيار إذا رافقته خطوات حكومية ملموسة لتعزيز صمود الأهالي، كتقديم التعويضات عن الأضرار الناجمة عن التوغلات، وتكثيف الخدمات الصحية والتعليمية لقطع الطريق على الدعاية الإسرائيلية.
وسواء اتجهت السياسة الإسرائيلية مستقبلاً نحو مسارات تفاوضية ترعاها واشنطن وقنوات إقليمية (في حال تغير القيادة السياسية في تل أبيب وجرى تجديد الالتزام باتفاقية فض الاشتباك لعام 1974)، أم استمرت إدارة نتنياهو في نهج القضم التدريجي؛ فإن قوة الموقف السوري تبدأ من الداخل. والمطلوب الموازنة بين “ضبط النفس” الحكومي وتفعيل “المقاومة الشعبية المدنية” بوصفها ليست خياراً تفاضلياً، بل هي ضرورة تكاملية. وبينما تحمي السياسة والدبلوماسية البلاد من الحروب الشاملة، تعمل المقاومة الشعبية على رفض الأمر الواقع ورفع كلفة الاحتلال سياسياً وإعلامياً، وتأكيد حقيقة مفادها أن الأرض السورية تظل عصية على التنازل أو الاندماج القسري في ترتيبات أمنية يعمل عليها الاحتلال بشكل أحادي منذ سقوط النظام السابق في سوريا.
- تلفزيون سوريا
























