أعلن الأردن تنفيذ عمليّة عسكريّة تحت اسم “الردع الأردنيّ – حمود” استهدفت مواقع في الجنوب السوريّ قال إنّها مرتبطة بتنظيم داعش، مؤكّداً مقتل أكثر من عشرين عنصراً من التنظيم، ما أثار استهجان دمشق بسبب انتهاك سيادتها. غير أنّ الخلاف سرعان ما انتقل من نتائج العمليّة العسكريّة إلى ملابسات تنفيذها. فقد أعلن الجيش الأردنيّ أنّ الضربات جرت بالتنسيق مع الحكومة السوريّة، فيما نفت دمشق حصول تنسيق مسبق، وتحدّثت عن سقوط ضحايا مدنيّين، بينهم أطفال.
هنا تبرز إشكاليّة تتجاوز مضمون البيانات الرسميّة. فهناك فرق بين تبادل المعلومات الأمنيّة، وإبلاغ الجانب الآخر بعمليّة عسكريّة، والحصول على موافقته المسبقة على أهدافها وتوقيتها. ولذلك فإنّ تحديد طبيعة الاتّصالات التي سبقت الغارات يبقى ضروريّاً لفهم حقيقة الخلاف بين البلدين.
لا تقتصر أهميّة التطوّرات الأخيرة على طبيعة الأهداف التي أصابتها الغارات، بل تمتدّ إلى ما إذا كانت ستؤسّس لقواعد جديدة في العلاقة الأمنيّة بين عمّان ودمشق
إغلاق معبر نصيب وتشكيل لجنة مشتركة
لم تقتصر تداعيات الغارات على السجال السياسيّ والأمنيّ، بل امتدّت إلى حركة الحدود بين البلدين، بعدما أعلنت الهيئة العامّة للمنافذ والجمارك السورية إغلاق معبر نصيب الحدوديّ مع الأردن، الثلاثاء، وتعليق حركة المسافرين والتجارة في الاتّجاهين، بسبب “التطوّرات الميدانيّة” في درعا، وحرصاً على سلامة المسافرين والعاملين. ولم تحدّد السلطات السوريّة موعداً لإعادة فتح المعبر، فيما تكدّست مئات الشاحنات والحافلات على امتداد نحو ثلاثة كيلومترات قرب مركز حدود جابر.
تكتسب هذه الخطوة أهميّة اقتصاديّة إضافيّة، باعتبار المعبر شرياناً أساسيّاً للتبادل التجاريّ وحركة النقل بين الأردن وسوريا، فضلاً عن دوره في ربط دول الخليج بالأسواق الأوروبيّة. وقد عبرته، وفق الأرقام المتداولة، أكثر من 350 ألف شاحنة خلال العام الجاري.
في محاولة لاحتواء التداعيات، أعلن البلَدان تشكيل لجنة مشتركة، لكنّ كلّاً منهما قدّم توصيفاً مختلفاً لمهمّتها. فدمشق تحدّثت عن لجنة ميدانيّة وأمنيّة لمعالجة الخروقات الحدوديّة، فيما أعلنت عمّان أنّ اللجنة ستتابع تداعيات العمليّة وتعمل على تطوير التنسيق في مواجهة تنظيم داعش.
الأردن ونقل المواجهة إلى مصادر التّهديد
تستند المقاربة الأمنيّة الأردنيّة إلى مخاوف من استغلال التنظيمات المتطرّفة وشبكات التهريب حالة الاضطراب في المناطق الحدوديّة السوريّة لإعادة تنظيم نشاطها. فهذه الجماعات لا تحتاج بالضرورة إلى السيطرة على مدن أو إقامة مناطق نفوذ معلنة لتشكّل تهديداً فعليّاً، وقد يكفيها الاحتفاظ بخلايا صغيرة وشبكات محليّة وطرق إمداد تسمح لها بإعادة بناء قدراتها على التجنيد والتمويل والتحرّك.
الخطر أن يؤدّي الخلاف حول العمليّة الأخيرة إلى إضعاف الثقة بين الطرفين، وتراجع التعاون الحدوديّ في مرحلة تزداد فيها الحاجة إليه
من هذه الزاوية، تحمل العمليّة الأردنيّة رسالة تتجاوز الردّ على هجوم الكرك، إذا ثبتت الصلات التي أعلنتها عمّان بين منفّذيه والتنظيمات المستهدفة في سوريا. فالأردن يريد إظهار استعداده لمواجهة التهديدات عند مصادرها، بدلاً من الاكتفاء بالتعامل مع نتائجها بعد وصولها إلى أراضيه.

غير أنّ نجاح هذه الاستراتيجية لا يُقاس بعدد الغارات أو القتلى الذين تعلن القوّات الأردنيّة سقوطهم، بل بمدى دقّة المعلومات الاستخباريّة، وقدرة الضربات على تفكيك الشبكات المستهدفة ومنعها من إعادة تنظيم نفسها، مع الحدّ من المخاطر المترتّبة على العمليّات العسكريّة.
سياسيّاً، تضع الغارات البلدين أمام معادلة دقيقة. فالأردن يريد حدوداً آمنة وتعاوناً يتيح مواجهة الجماعات المتطرّفة وشبكات التهريب قبل تحوّلها إلى تهديد مباشر. وفي المقابل، تسعى سوريا إلى تأكيد سيادتها على أراضيها، وأن تجري معالجة المخاطر الأمنيّة داخل حدودها بالتنسيق مع مؤسّساتها الرسميّة.
لا يوجد تناقض حتميّ بين هذين الهدفين، لكنّ الجمع بينهما يتطلّب تفاهمات واضحة بشأن تبادل المعلومات، وقنوات الاتّصال، وآليّات التعامل مع التهديدات العاجلة. فدمشق تواجه تحدّياً يتمثّل في ضبط الجنوب ومنع استخدام أراضيها منطلقاً لعمليّات تهدّد دول الجوار، فيما لا تبدو لعمّان مصلحة استراتيجيّة في تحويل الضربات إلى مواجهة مفتوحة مع سوريا.
الخطر أن يؤدّي الخلاف حول العمليّة الأخيرة إلى إضعاف الثقة بين الطرفين، وتراجع التعاون الحدوديّ في مرحلة تزداد فيها الحاجة إليه. فكلّ ثغرة أمنيّة قد تمنح التنظيمات المتطرّفة وشبكات التهريب مساحة إضافية للتحرّك، فيما ينعكس أيّ تصعيد سياسيّ على المصالح التجاريّة والاقتصاديّة المشتركة.
الأردن يريد إظهار استعداده لمواجهة التهديدات عند مصادرها، بدلاً من الاكتفاء بالتعامل مع نتائجها بعد وصولها إلى أراضيه
اختبار العلاقة بين البلدَين
لا تقتصر أهميّة التطوّرات الأخيرة على طبيعة الأهداف التي أصابتها الغارات، بل تمتدّ إلى ما إذا كانت ستؤسّس لقواعد جديدة في العلاقة الأمنيّة بين عمّان ودمشق. فالأردن لا يحتاج إلى أزمة مع سوريا لإثبات حزمه في مواجهة الإرهاب، كما أنّ دمشق لا تحتاج إلى تصعيد الخلاف لتأكيد سيادتها. والمصلحة المشتركة تقتضي منع تحوّل الأراضي السوريّة إلى مصدر تهديد للأمن الأردنيّ، من دون أن تصبح مواجهة هذه التهديدات سبباً دائماً للتوتّر بين الجارين.
في هذا السياق، تبرز أهميّة تجنّب تحويل الخلاف بشأن الغارات إلى مواجهة إعلاميّة أو سياسيّة تستبق نتائج التحقيقات. فاعتبار أيّ تساؤل عن الضحايا المدنيّين تشكُّكاً بحقّ الأردن في حماية أمنه، أو التعامل مع وقوع ضحايا باعتباره دليلاً حاسماً على استهدافهم عمداً، لا يساعد على تحديد الوقائع أو احتواء الأزمة.
يبقى الاختبار الحقيقيّ في قدرة اللجنة المشتركة على معالجة الخلاف بشأن التنسيق، وتحديد قواعد التعامل مع التهديدات الحدوديّة، بما يمنع تكرار الأزمة. وعليه، فإنّ نتائج الغارات لن تُقاس فقط بما حقّقته عسكريّاً، بل أيضاً بما إذا كانت ستساعد على تقليص المخاطر الأمنيّة وتعزيز التعاون بين البلدين، أم ستفتح مرحلة جديدة من التوتّر وتآكل الثقة، في وقت لا يملك فيه أيّ منهما مصلحة في ترك الحدود المشتركة رهينة للاضطرابات والتنظيمات المتطرّفة.
- أساس ميديا
























