بالرغم من أن الجميع ينظر الى الانتخابات الإسرائيلية الحالية باعتبارها انتخابات مهمة جداً في تاريخ إسرائيل، لأنها مؤشر على التوجهات السياسية التي ستطبع المرحلة المقبلة في المنطقة، إلا إن المسألة التي غالباً ما يتم تجاهلها في النقاش العام، هي الأسئلة التي تتعلق بطبيعة المشروع الصهيوني نفسه: ماذا أصبحت الصهيونية بعد أكثر من قرن على ولادتها؟ وما هو شكل الدولة التي يفترض أن تنتجها؟
من الانتفاضة الثانية الى 7 اكتوبر
منذ قيام إسرائيل عام 1948، قام إجماع صهيوني واسع على فرضية أساسية مفادها أن الصراع مع العرب ليس خلافاً حدودياً عادياً، بل صراع على الوجود نفسه. لم يكن هذا الموقف حكراً على اليمين الصهيوني، بل كان جزءاً من وعي النخبة المؤسِسة، بما فيها حزب العمل الذي قاد المشروع الصهيوني في عقوده الأولى.
ومع بدء الانتفاضة الثانية، بدأ المجتمع الإسرائيلي بالانزياح بطريقة منهجية نحو اليمين، وقد تجلى ذلك في صعود التيارات الدينية حيث بدأ مركز الثقل ينتقل تدريجياً نحو صهيونية أكثر أمنية، قومية، دينية، وأقل ثقة بإمكانية التسوية التاريخية مع الفلسطينيين. لذلك فإن 7 أكتوبر لم يخلق هذا التحوّل، بل كشف اكتماله تقريباً، حيث أعاد توحيد شعارات أغلب التيارات الإسرائيلية حول مفهوم الأمن والتهديد الوجودي، لكنه في الوقت نفسه فجّر الانقسام حول معنى الدولة وهوية المشروع الذي يُراد الدفاع عنه.
أتت أحداث 7 أكتوبر لتقضي على ما تبقى من الأفكار أو الاعتقاد ضمن المجتمع الاسرائيلي، بالقدرة على تجاوز البعد الوجودي للصراع، غير أن استعادة الإجماع حول أولوية الأمن لم تعنِ استعادة الإجماع حول الدولة. فالجدار الحديدي يجيب عن سؤال: كيف تحمي إسرائيل نفسها؟ لكنه لا يجيب عن سؤال أكثر عمقاً: ما هي إسرائيل التي يراد حمايتها؟ وهنا بالتحديد يبدأ الانقسام الذي يطبع المجتمع الإسرائيلي اليوم.
الصهيونية والدين
عندما أسس هرتزل وبن غوريون المشروع الصهيوني، كانت الصهيونية تبدو مشروعاً حداثياً بالمعنى الأوروبي للكلمة، يهدف إلى تحويل اليهود من جماعة مشتتة إلى شعب يملك دولة ومؤسسات وسيادة. غير أن هذا المشروع لم ينشأ في فراغ تاريخي، بل استند منذ بدايته إلى توظيف سرديات دينية وتاريخية لإضفاء الشرعية على المشروع القومي.
كان عام 1967 عاماً مفصلياً، فبعد احتلال القدس الشرقية والضفة الغربية والخليل، دخل عنصر جديد إلى قلب المشروع الصهيوني: الأرض المقدسة. ومنذ تلك اللحظة بدأ الصراع بين تيارات فكرية صهيونية تعتبر الدولة غايتها النهائية، وصهيونية تعتبر الدولة أداة لتحقيق غاية أعمق ذات طابع ديني وتاريخي.
طرحت تلك التحولات وما بعدها والانزياح نحو اليمين، سؤالاً مركزياً في إسرائيل: هل إسرائيل هي دولة المواطنة اليهودية أم دولة الخلاص اليهودي؟
حالياً، ثمة تيار في اسرائيل يرى أن الدولة هي الأصل، وأن اليهودية تشكّل مرجعية ثقافية وقومية لهويتها، لكن مؤسساتها يجب أن تبقى مدنية وديمقراطية. في المقابل، هناك تيار آخر يرى أن اليهودية ليست مجرد هوية قومية، بل مصدر شرعية الدولة نفسها، وأن الأرض والسيادة والاستيطان تحمل جميعها معنى دينياً ورسالة تاريخية.
في النموذج الأول تكون الدولة هي المرجعية العليا، وتبقى اليهودية إطاراً لهوية جماعية. أما في النموذج الثاني فتصبح الهوية الدينية هي المرجعية العليا، وتتحول الدولة إلى أداة لتحقيقها. وهنا يتخذ النقاش الانتخابي الحالي حول القضاء، والتعليم، والخدمة العسكرية، والاستيطان، ومستقبل الضفة الغربية معنى يتجاوز السياسة اليومية ليصبح جزءاً من الصراع على تعريف إسرائيل نفسها.
المفارقة أن السؤال المركزي في نهاية القرن التاسع عشر تمحور حول: كيف نحوّل اليهود من جماعة دينية إلى أمة سياسية؟ أما اليوم فالسؤال أصبح: هل عادت الأمة السياسية لتعرّف نفسها بوصفها جماعة ذات رسالة دينية؟ بهذا المعنى نجد أن التاريخ يتحرك في اتجاه معاكس. فالصهيونية الأولى انتقلت من الدين إلى الأمة، بينما يحاول جزء متزايد من الصهيونية المعاصرة الانتقال من الأمة إلى الرسالة الدينية.
ومن هنا يمكن فهم المعضلة العميقة التي تواجه الصهيونية: هل نشهد تديين الصهيونية، أي انتقال المشروع القومي اليهودي من المجال السياسي إلى المجال العقائدي، بعد أن كانت النسخة الأولى هي صَهْيَنَة الدين، أي تحويل الدين اليهودي من منظومة إيمانية وتاريخية إلى أداة في مشروع الدولة والقومية؟
وبين صهينة الدين وتديين الصهيونية، وبين الدولة بوصفها غاية والدولة بوصفها وسيلة، يتشكل الجدل الأكثر عمقاً في إسرائيل المعاصرة. لذلك فإن ما تحسمه هذه المحطة الانتخابية لا يتعلق فقط بشكل الحكومة المقبلة، بل بالإجابة عن السؤال الذي سيحدد وجه إسرائيل في قرنها الثاني: هل تبقى اسرائيل دولة قومية حديثة لليهود، أم تتحول تدريجياً إلى دولة تستمد معناها وشرعيتها من رسالة دينية وتاريخية تتجاوز الدولة نفسها؟
وعليه، إذا كان القرن الأول من الصهيونية قد انشغل ببناء الدولة، فإن القرن الثاني قد ينشغل بتحديد الغاية منها. فالدولة التي كانت يوماً جواباً على سؤال اليهود، تبدو اليوم وقد أصبحت هي نفسها موضع السؤال.
- المدن





















