احتفل السوريون، بالذكرى الأولى لسقوط نظام الأسد بعد ثورة امتدت نحو 15 عاماً من الصراع الدامي والمضني، شهدت تضحيات هائلة وتغييرات جذرية في خريطة البلاد السياسية والاجتماعية.
احتفل السوريون، مطلع كانون الأول/ديسمبر 2025، بالذكرى الأولى لسقوط نظام الأسد بعد ثورة امتدت نحو 15 عاماً من الصراع الدامي والمضني، شهدت تضحيات هائلة وتغييرات جذرية في خريطة البلاد السياسية والاجتماعية.
وشملت مظاهر عيد التحرير محافظات عدة مثل دمشق وحلب وإدلب وحمص وحماة ودرعا، حيث امتلأت الشوارع بمسيرات جماهيرية حاشدة، وأغان وطنية تعبر عن الفرحة بالتخلص من عقود من الاستبداد، مع رفع شعارات تطالب ببناء سوريا جديدة قائمة على العدالة والديمقراطية.
بينما غابت أو تراجعت هذه الاحتفالات في مناطق أخرى لأسباب تتصل بتوازنات محلية معقدة، وعلاقة بعض القوى السياسية والدينية بالحكومة الانتقالية، وبسبب أحداث مفصلية طبعت العام الأول لما بعد سقوط بشار الأسد، والتي ألقت بظلالها على الوحدة الوطنية الناشئة. ومن أبرز المناطق التي لم تشارك في الاحتفالات السويداء، إضافة إلى مناطق سيطرة «قسد» التي منعت التجمعات والاحتفالات الجماهيرية، ما أثار تساؤلات حول مدى التزام هذه القوى بالروح الوطنية الجامعة.
في هذا السياق، رصدت «القدس العربي» مساراً متحركاً ومعقداً في علاقة حكومة دمشق بـ «قسد»، بدأ يتبلور مع اتفاق 10 آذار/مارس بين الرئيس الانتقالي أحمد الشرع وقائد «قسد» مظلوم عبدي، بهدف دمج المؤسسات السياسية والعسكرية والإدارية التابعة لـ «قسد» ضمن مؤسسات الدولة السورية، في خطوة كانت تُعتبر اختباراً حقيقياً لإمكانية إعادة توحيد البلاد بعد سنوات من التقسيم الفعلي. وتضمن الاتفاق وقفاً شاملاً لإطلاق النار، وضمان حقوق المواطنين الكرد في مجالات التعليم والثقافة والإدارة المحلية، والتأكيد على وحدة الأراضي السورية ورفض التقسيم، ودمج المؤسسات العسكرية والمدنية في شمال شرق سوريا، بما يشمل المعابر البرية والمطارات وحقول النفط والغاز ضمن نطاق الدولة، مع آليات لتوزيع الإيرادات بشكل عادل يساهم في إعادة الإعمار.
وبرزت فجوة بين رغبة «قسد» في الحفاظ على بعض هياكلها العسكرية ضمن إطار الدولة، مثل وحدات خاصة لحماية المناطق الكردية، وبين موقف الحكومة السورية التي تمسكت بتفسير أكثر صرامة للدمج ورفضت مطالب اللامركزية، معتبرة إياها خطراً على الوحدة الوطنية، ما جعل المسار التنفيذي بطيئاً ومشحوناً بالتجاذب والشكوك المتبادلة. وشهدت هذه المرحلة اجتماعات عديدة في مدن مثل الحسكة ودمشق، مع مشاركة مراقبين دوليين، لكن التقدم كان محدوداً، وأدى إلى تأجيل بعض البنود الرئيسية، ما أثار مخاوف من انهيار الاتفاق ككل.
بحلول تشرين الأول/أكتوبر، ومع تدخلات دولية وإقليمية -أبرزها الولايات المتحدة عبر مبعوثها إلى سوريا، الذي ضغط للحفاظ على دور «قسد» في مكافحة الإرهاب، إلى جانب تركيا التي عبرت عن مخاوفها من تعزيز النفوذ الكردي قرب حدودها – بدأ الطرفان اتخاذ خطوات عملية ضمن تفاهم تنفيذي مبدئي لدمج وحدات ومجموعات عسكرية تابعة لـ «قسد» ضمن هيكلية الجيش السوري ووزارة الدفاع، بما شمل أيضاً دمج أجزاء من أجهزة «الأسايش» ضمن المنظومة الأمنية/الدفاعية، مع برامج تدريب مشتركة وتوزيع للمهام. غير أن التوترات لم تنتهِ؛ إذ شهدت خطوط التماس، خصوصاً في محافظة حلب، اشتباكات متقطعة عكست استمرار الفجوات بين النص السياسي والتطبيق الميداني، حيث وقعت حوادث إطلاق نار أدت إلى خسائر بشرية محدودة، وأثارت اتهامات متبادلة بالتخريب، ليبقى شكل العلاقة النهائي مرهوناً بما سيحمله العام التالي من تحولات، خاصة مع اقتراب الانتخابات الدستورية المرتقبة.
في السويداء ذات الغالبية الدرزية، دخلت العلاقة بين دمشق ومرجعيات وفعاليات المحافظة—وفي مقدمتها المشيخة الروحية وبشكل خاص الشيخ حكمت الهجري، مرحلة شديدة الحساسية بلغت ذروتها بين 14 و19 تموز/يوليو، وسط تصاعد في المطالب بالحقوق الثقافية والإدارية. وخلال هذه الأيام اتخذ التصعيد شكل صدام عسكري ودخول قوات حكومية إلى المدينة وما رافق ذلك من عمليات دموية، أسفرت عن سقوط عشرات الضحايا من المدنيين، قبل أن تنسحب لاحقاً وبفعل استهدافات إسرائيلية لقوات الحكومة داخل المدينة من جهة، وضغط فصائل محلية من جهة أخرى، في سياق يشي بتنامي نفوذ إسرائيل في الجنوب السوري المحاذي للأراضي المحتلة، حيث أجرت إسرائيل غارات جوية استهدفت مواقع حكومية، ما أثار مخاوف من تدخل أجنبي أوسع.
وقد أفضى ذلك إلى منعطف خطير انعكس في تصاعد مطالب ما تزال مطروحة لدى قوى محلية، مثل الحديث عن الانفصال/تقرير المصير، وتشكيل قوة منظمة تحت مسمى «الحرس الوطني» للحماية المحلية، ما يجعل ملف السويداء أحد أكثر الملفات تعقيداً في العام المقبل، ويطرح تحديات للحكومة في الحفاظ على التوازن بين الوحدة والتنوع.
على صعيد الساحل السوري، تغيّرت طبيعة العلاقة بين الحكومة ومناطق اللاذقية وطرطوس، وبشكل خاص ضمن البيئة العلوية التي كانت تُعد من أبرز قواعد النظام السابقة، حيث كانت هذه المناطق مصدراً للدعم العسكري والسياسي لعائلة الأسد على مدى عقود. ففي الأشهر الأولى بعد سقوط الأسد، ومع انحلال جيش النظام وانتشار قوات «ردع العدوان» التي تطورت لاحقاً إلى «الأمن العام» والجيش السوري الجديد، نفذت مجموعات عسكرية تضم ضباطاً سابقين عمليات ضد قوات الأمن والجيش في آذار/مارس، مستغلة الفوضى الأولية لإثارة اضطرابات أمنية. ورداً على ذلك، اقتحمت القوات الحكومية مناطق ساحلية، ارتكبت خلالها انتهاكات بحق مدنيين علويين، مع الحديث عن مقتل قرابة 1426 شخصاً على يد القوات الحكومية وفق ما نسبه التقرير إلى لجنة تحقيق وطنية شكلتها الحكومة للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان، في سابقة تُقدم عليها السلطة الجديدة ضمن محاولة لاحتواء تداعيات ملف بالغ الحساسية، حيث أصدرت اللجنة تقريراً مفصلاً أقرت فيه ببعض الانتهاكات ووعدت بمحاسبة المسؤولين، ما ساعد في تهدئة التوترات جزئياً، لكنه لم ينهِ الشكوك حول قدرة الحكومة على تحقيق العدالة.
راحلون:
في ختام العام، سجّل السوريون حدثاً مؤثراً بوفاة الدكتور رياض نعسان آغا، وزير الثقافة السوري الأسبق، في مقر إقامته بدولة الإمارات يوم 14 كانون الأول/ديسمبر 2025 بعد صراع مع المرض، عن عمر ناهز 78 عاماً، والذي كان قد شغل مناصب ثقافية وإعلامية بارزة خلال حقبة الأسد. وقد أعاد رحيله تسليط الضوء على دور النخب الثقافية والإعلامية في سردية سوريا الحديثة، وعلى سؤال الثقافة بوصفها ساحة موازية للصراع السياسي، لا تقل أثراً في تشكيل الذاكرة العامة والهوية الوطنية في المرحلة الانتقالية.
- القدس العربي


























