من السهل على الأنظمة تسليط الأضواء على جانب واحد في التظاهرات هو جانب التخريب والسرقة والفوضى واتهام اليسار المتشدد والمهاجرين بفعلها، إلى حد حديث الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن “مؤامرة لإسقاط الجمهورية”. لكن من الصعب والوهم تجاهل العوامل والأسباب البنيوية التي تقود إلى الانتفاضات.
ليس كل تحرك سلمي أو عنفي في الشارع ثورة. ولا ثورة من دون ما سماها لينين “منظمة ثوريين” تقاتل من أجل برنامج واضح. وليس أكثر من الثورات التي سحقتها القوى المسيطرة سوى التي انتصرت ثم انحرفت عن أهدافها المعلنة وتحولت إلى أنظمة أكثر قمعاً وفساداً من الأنظمة التي ثارت عليها.
عام 1948 حين أصدر ماركس وإنغلز “البيان الشيوعي”، كانت أوروبا تموج بانتفاضات وثورات أعطيت عنوان “ربيع الشعوب”. لكن القوى المسيطرة تعاونت في “حلف مقدس” وتمكنت من إخماد الثورات في النهاية، فلم تنجح ثورة إلا في روسيا الفلاحية حيث البروليتاريا ضعيفة، حين أنهى الاشتراكيون بقيادة ألكسندر كيرينسكي حكم القياصرة ثم أسقط الشيوعيون بقيادة لينين سلطة الاشتراكيين عام 1917 وحكموا حتى السقوط وانهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991. ويروي صديق لينين رجل الأعمال الأميركي أرمان هامر في كتاب “شاهد التاريخ” أن صديقه “أدرك عام 1920 أن الشيوعية لن تنجح”.
وخلال العقد الثاني من القرن الـ21 اندلعت في بلدان عربية عدة موجة انتفاضات أعطيت عنوان ثورات “الربيع العربي” استلهاماً من “ربيع الشعوب”. لكن الانتفاضات والثورات التي بدأت في تونس وامتدت إلى ليبيا ومصر وسوريا والعراق، وكان لها “ملحق” في لبنان خلال خريف 2019، انتهت إلى كوارث حتى نجحت في البداية.
وفي العقد الثالث من هذا القرن، عاد الدور لأوروبا في انتفاضات أكبرها داخل فرنسا، وامتدت إلى ألبانيا وإيطاليا والبرتغال وإسبانيا وبلجيكا واليونان. شيء من “ربيع الشعوب”، وشيء من الفوضى والتخريب والسرقة، وكثير من “الخريف الأوروبي”، ذلك أن القارة العجوز شاخت بالفعل بعد عقود من النوم تحت المظلة النووية الأميركية منذ الحرب العالمية الثانية. فالدين العام يتزايد، والبنية التحتية المدرسية والصحية والإسكانية تتردى، وكلفة دولة الرفاه صارت باهظة بعد الالتزامات المالية والعسكرية الكبيرة لمساعدة أوكرانيا في حربها ضد الحرب الروسية، كما بعد اضطرار الأعضاء الأوروبيين في “الناتو” إلى زيادة الإنفاق العسكري في الموازنات على حساب البرامج الاجتماعية، وتزايد الهجرة إلى مستويات تصطدم، لا فقط بالعنصرية الأوروبية، بل أيضاً بتطرف كثير من اللاجئين من أفريقيا والجزائر والمغرب وتونس وسوريا والعراق وباكستان.
الخوف للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية من حرب عالمية ثالثة لم يعُد الحديث عنها نوعاً من الخيال بعد سيطرة موسكو على شبه جزيرة القرم والتدخل العسكري في جورجيا وحرب أوكرانيا والتلويح باستخدام الأسلحة النووية، وصعود المشاعر المعادية لروسيا في ألمانيا والمعادية لأوروبا في روسيا، والعجز الأوروبي عن أي دور مؤثر في الصراع الأميركي – الصيني على قمة العالم، وارتفاع الأسعار بفعل حرب إيران وإغلاق مضيق هرمز.
ومن السهل على الأنظمة تسليط الأضواء على جانب واحد في التظاهرات هو جانب التخريب والسرقة والفوضى واتهام اليسار المتشدد والمهاجرين بفعلها، إلى حد حديث الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن “مؤامرة لإسقاط الجمهورية”. لكن من الصعب والوهم تجاهل العوامل والأسباب البنيوية التي تقود إلى الانتفاضات. فالتغييرات في المجتمعات الأوروبية تكاد تطوي صفحات الانتظام الكلاسيكي على تولي السلطة بين أحزاب يمين الوسط ويسار الوسط. والوسط يضعف في فرنسا وألمانيا وإيطاليا وسواها، ففي ألمانيا يتقدم “البديل من أجل ألمانيا” على الحزب الديمقراطي المسيحي والحزب الديمقراطي الاجتماعي، وفي إيطاليا يحكم اليمين المتشدد بعد عقود من الأحزاب الاشتراكية والديمقراطية المسيحية الحاكمة والحزب الشيوعي القوي، وفي فرنسا صار الحزب الشيوعي والحزب الاشتراكي والحزب الديغولي وحزب ماكرون الوسطي في قمة الضعف أمام تقدم اليمين المتشدد في “التجمع الوطني” بزعامة مارين لوبن واليسار المتطرف في حزب “فرنسا الأبية” بزعامة جان لوك ميلانشون.
والأزمات مفتوحة، ولو خرجت الانتفاضات من الشارع. فالقمع لا يحل المشكلة، والإصلاحات المطلوبة في الموازنات وفي العدالة الضريبية يقف على الحواجز أمامها رجال الأعمال والشركات الضخمة وحراسهم من الحاكمين باسمهم. والحد من الهجرة بحسب برنامج لوبن ورجلها جوردان بارديلا أو “إعادة التهجير” كما يطالب إريك زمور الأشد تطرفاً في اليمين مهمة غير قابلة للتحقيق. فكيف يمكن إعادة تهجير نحو 90 مليون مهاجر في البلدان الأوروبية؟… أليس ما ينتهي إليه برنامج اليمين المتشدد واليسار المتطرف في السلطة هو العجز عن تلبية المطالب الاجتماعية الملحة على طريقة الحكومات الحالية؟ وكيف يمكن التغاضي عن أن 15 في المئة من الفرنسيين تحت خط الفقر؟
انتفاضة الطلبة في باريس من أجل مطالب تتعلق بالمدارس والبرامج عام 1968 أدت إلى تغيير مهم في فرنسا ودفعت الجنرال ديغول إلى الاستقالة بعدما لم يحصل على النسبة التي أرادها في استفتاء شعبي. وحين سأله أندريه مالرو، “هل تستقيل من أجل شيء سخيف كهذا” رد بالقول “سأستقيل بسبب هذا الشيء السخيف”. ولا أحد يعرف ما الذي تغيره الانتفاضة الحالية خلال الأشهر الأخيرة من ولاية ماكرون. لكن الظاهر أن الجمهورية الخامسة شارفت على النهاية. فهي جمهورية جرى تفصيل دستورها على قياس الجنرال ديغول. وبقيت الأمور مقبولة مع بومبيدو وديسنان وميتران، قبل أن يبدو الدستور “مبهبطاً” على ساركوزي وماكرون.
وليس في الانتخابات الرئاسية المقبلة سوى خيار وحيد وسط رفض الناخبين لرئاسة اليمين المتشدد واليسار المتطرف هو انتخاب رئيس عادي جداً لتعطيل وصول رؤساء من نوع لوبن وميلانشون. ومن العجائب والغرائب أن تعود إيطاليا للفاشية وألمانيا للنازية من دون موسوليني وهتلر.
- إندبندنت
























