تشير الأرقام الأخيرة بعد فرز قرابة 86% من الأصوات في الانتخابات الإسرائيلية إلى حصول معسكر بنيامين نتنياهو على 53 مقعدا، مقابل 48 لمعسكر غادي آيزنكوت، أما الواقعة التي فاجأت الطرفين فكانت حصول الأحزاب العربية على 19 مقعدا، ما يعكس تغيّرا يمكن أن يعدّل حسابات القوى الصهيونية.
لقد خسر ائتلاف نتنياهو جانبا كبيرا من قوته البرلمانية، لكنه لم يخسر السلطة بالضرورة. فشلت المعارضة، في المقابل، في تأمين أغلبية، وبذلك تحوّلت أصوات الفلسطينيين، التي يمكنها حسم المعركة، إلى معضلة أمام تشكيل الحكومة لأن القوى اليهودية المتنافسة ترفض الاعتراف بشرعيتها السياسية.
يدفع هذا الوضع للتساؤل حول تعريف «الديمقراطية الإسرائيلية»، حيث لا تمنح الانتخابات جميع المواطنين حقوقا سياسية متساوية، ويحدد الانتماء القومي، بشكل مسبق، من يحق له المشاركة في إنتاج السلطة.
يستطيع الفلسطيني، حسب هذه المنظومة الفكرية، انتخاب ممثل له، ويستطيع هذا الممثل دخول الكنيست، لكن صوته يصبح موضع تشكيك حين يتعلّق الأمر بمن سيقود الحكومة. لا يقتصر هذا التشكيك على اليمين المتطرّف الذي يقوده نتنياهو، بل يمتد إلى التيارات التي تقدم نفسها مدافعة عن الديمقراطية الإسرائيلية!
وضع أكاديميون، مثل أسعد غانم وأورن يفتاحئيل، وصفا لهذه المفارقة بتسمية الديمقراطية الإسرائيلية بـ»الإثنوقراطية»، وهي نظام يجمع بين وجود مؤسسات انتخابية وهيمنة جماعة قومية – دينية على الدولة، فيما صكّ باحث آخر مصطلح «المواطنة المجوّفة» لوصف حالة الفلسطينيين في إسرائيل حيث تقيّد قدرة الأقليات على تحويل حقوقها القانونية إلى سلطة سياسية فعلية.
يظهر التناقض على حقيقته عندما نخرج من حدود المواطنة الإسرائيلية إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة حيث يعيش نحو خمسة ملايين فلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة تحت أشكال فظيعة من السيطرة الإسرائيلية، حيث تقع على رؤوسهم قرارات الحكومة الإسرائيلية التي تفرزها تلك الانتخابات بأشكال تتدرج من الاعتقال والتحكم في الحدود ومصادرة الأراضي وصولا إلى الحصار والاستيطان والتجويع والتطهير العرقي والإبادة. ينقسم الفلسطينيون حسب هذين التصنيفين إلى مواطنين لديهم «مواطنة مجوّفة» ويشكك في شرعية تمثيلهم، فيما بقية شعبهم يخضع لسلطة لا يملك حق انتخابها.
تحول رحيل نتنياهو عن سدّة السلطة إلى هدف يشدّ عصب الفلسطينيين جميعا، رغم أن خصومه المتنافسين على إدارة الدولة والأمن لا يقدمون بديلا جذريا عن سياساته تجاه الفلسطينيين، ويتفقون معه على رفض الاعتراف بحقهم في تقرير المصير. لا يجب مع ذلك تجاهل وجود خلافات مهمة بين المعسكرين تتركز حول استقلال القضاء والتجنيد والحريات العامة ومستقبل المؤسسات.
يمثّل ارتفاع المشاركة الفلسطينية، ضمن هذا السياق، تطورا شديد الدلالة، ويمكن قراءته باعتباره محاولة لتحويل الوجود الديموغرافي إلى قوة سياسية تردّ، عبر صناديق الاقتراع، على سنوات التمييز والعنف والتحريض والإجرام بحقها.
وضعت هذه المشاركة النظام السياسي الإسرائيلي أمام معضلة لم يكن مستعدا لها. الفلسطينيون الذين تواصل تهميشهم في معادلات القوة السياسية والحكم باتوا قادرين على تحديد مصير هذا النظام. وإذا كان نتنياهو قد جعل من تخويف اليهود من العرب الفلسطينيين وسيلة لتعبئة قاعدته الانتخابية، فإن النتائج كشفت، من جهة، أن هذا الخوف يتغلغل في بنية المنافسة السياسية الإسرائيلية، وكشفت، من جهة أخرى، أن هذا التخويف ساهم في تغيير سلوك نسبة كبيرة من العرب الفلسطينيين الذين كانوا يرفضون المشاركة في الاقتراع، ويمثلهم الجناح الشمالي للحركة الإسلامية في فلسطين.
تحرّك نتائج الدخول الفلسطيني القويّ في الانتخابات الإسرائيلية سؤال إسقاط نتنياهو نحو سؤال أعمق حول العطب والتناقض في النظام الإسرائيلي الذي يعترف بصوت «فلسطينيي الداخل» في صناديق الاقتراع، لكنه يرفض الاعتراف بهم في تقرير من سيحكم، فيما يهدد ملايين آخرين منهم بالطرد والاقتلاع.
- القدس العربي





















