السيد رئيس المؤتمر .
السادة الضيوف.
الزميلات والزملاء الأعزاء.
لن أتحدث اليوم عن مدى نجاعة استمرار حالة الطوراىء، وعن أهمية طي ملف الاعتقال السياسي،ومدى حاجتنا إلى إصلاح سياسي وإداري متكامل. بل سأقصر حديثي عن وضع (المحاماة والقضاء).
لست أبالغ القول إن المحاماة تعيش اليوم في "محنة"، نعم " محنة"، فالتاريخ يحدثنا أنه عندما كان المحامي يدخل مكاناً عاماً، كان الناس يستقبلونه بكل احترام، أما اليوم باتوا يتجاهلونه، حتى أن الكثير من الناس يفضلون أن تضيع بعضاً من حقوقهم على أن تهدر أموالهم ووقتهم وجهدهم في التردد على مكاتب المحامين والمحاكم. أليست هذه محنة؟ كيف نعمل و كيف نحيا و نحن مهددين من كافة الجهات سواء داخل أقسام الشرطة أو أروقة المحاكم، دونما أي اعتبار لحصانة المحامي. ألي هذا الحد أساء البعض من المحامين إلى هذه المهنة السامية، حتى أضحى بعض الشرفاء فيها كالقابض على الجمر يبحث لنفسه عن مهنة أخرى تنأى به عن الشبهات؟ بينما البعض سيئي السمعة يتفننون في حماية أنفسهم ويحسنون تغطية مواقفهم في الإساءة لكرامة المحامي وشرف المهنة، دون أن يتعرضوا لأية مساءلة.
فمن لا يحصن نفسه أولاً وبيته ثانياً، ومن لا يظهر بمظهر لائق وسلوك أخلاقي ومهني رفيع، لا يحق له أن يطالب بالحصانة، فالاحترام لا يُستجدى بل يُفرض على الآخرين من خلال التقيد بآداب هذه المهنة السامية فيسمو بسموها. لذلك يجب اعتماد معايير جديدة تمنع تسلل الفاسدين إلى بيتنا، وتشكيل لجنة مهمتها مراقبة سلوك المحامين باستمرار، ومحاربة الفاسدين بجدية كي نتمكن من تنظيف بيتنا من الفساد الذي أشار إليه السيد رئيس الجمهورية في لقائه مؤخراً مع مجلس النقابة.
مطالبات كثيرة تتكرر في كل مؤتمر دون أي استجابة، كتوزيع وكالات الشركات والمؤسسات والسفارات والفنادق على المحامين بشكل عادل، والسعي لدى الجهات المختصة بعدم قبول الادعاء بالعقود أياً كان نوعها ما لم تكن موقعة من قبل محام وموثقة من نقابة المحامين، والسعي أيضاً لتمكين المحامين بحضور كافة مراحل التحقيق لدى مخافر الشرطة والمباحث الجنائية مع موكليهم لضمان سلامة الإجراءات، والعمل على تقييد سلطة مجلس الوزراء بحل النقابة وحفظ حقها باللجوء إلى القضاء وفقاً للدستور. والسعي لتفعيل المادة 104 من قانون أصول المحاكمات المدنية بما يمنع التمثيل والمرافعة أمام المحاكم إلا بحضور محام، والسعي أيضاً لاستقلال قضاء مجلس الدولة عن مجلس الوزراء وإتباعه لمجلس القضاء الأعلى، وحصر اختصاص المحاكم العسكرية بالجرائم المرتكبة ضمن القطعة العسكرية فقط، وتشكيل لجنة من المحامين والقضاة وأعضاء مجلس الشعب والمنظمات الأهلية، مهمتها الاطلاع دورياً على أوضاع السجناء والسجون ودور التوقيف وتحسين ظروفها بما يحفظ كرامة السجناء.
لاحظنا مؤخراً بعض التحسن في عمل القضاء لاسيما في دواوين النسخ ومسألة التبليغات واستحداث محاكم جديدة ورفدها بقضاة جدد، ورغم أهمية ذلك التحسن المشكور، إلا أن القضاء مازال يعاني من الفساد، فبعض القضاة لا يحكمون بالعدل إما لجهلهم بالقانون وقلة ثقافتهم القانونية،وإما قصداً لتحقيق منفعة شخصية ضاربين عرض الحائط بالقسم القضائي، وإذا سألت قاضياً لماذا خالفت القانون فإنه يقول لك استأنف أطعن يا أستاذ.. إن الهدف من التشكيلات القضائية هو ملء الشواغر، وليس إرباك العمل القضائي بنقل قاضي جزائي للعمل في المدني، أو نقل قاض من محكمة بداية إلى محكمة بداية أخرى.
إن حديثي عن الفساد القضائي ليس الهدف منه التشهير بالقضاء والقضاة على الإطلاق، بل تحصين القضاء وتنظيفه من الفساد ليكون قادراً على محاكمة الفاسدين واستئصال الفساد الذي دعانا السيد رئيس الجمهورية إلى محاربته. وأعتقد إن أول خطوة في هذا الطريق هي ضمان استقلال السلطة القضائية الذي يفترض حكماً أن لا يكون للسلطة التنفيذية أي ممثل لها في مجلس القضاء الأعلى تحت أي مسمى كان. وأن يتجه ولاء القضاة للدولة للشعب بغض النظر عمن يحكم. وتحصينهم ضد أي تدخل كان، وحسن اختيارهم والاهتمام بهم من حيث التثقيف والرواتب وزيادة عددهم وعدد المحاكم وأتمتتها بما يمكن القاضي من الاطلاع على كل جديد، وزيادة عدد الموظفين وتأهيلهم وزيادة رواتبهم. فقاضي الفرد العسكري يساعده عدد من الموظفين بما يعادل أو يفوق عدد الموظفين الموضوعين في خدمة قضاة البداية المدنية بدمشق على سبيل المثال.
نعيش اليوم في عصر يقاس فيه تطور الدول وتقدمها بمدى سيادة القانون فيها على الحكام قبل المحكومين وبمدى استقلال قضائها ومحاميها، ونجاعة نظامها التعليمي. هذه العناصر تشكل البنية والأساس لقيام الدولة في العصر الحديث.
في الختام أسمحوا لي أن أدعوكم إلى كلمة سواء، بعيداً عن المصالح النقابية الضيقة، نعيد فيها معاً الوجه المشرق لمهنة المحاماة، حصناً للعدالة والحرية، وأملاً لكل مظلوم.
وشكراً لإصغائكم دمشق 16/3/2010




















