تضع وثائق وتسجيلات حول سعي ضباط بارزين في نظام الأسد المخلوع من منافيهم زعزعة الاستقرار الهش في سورية، الحكومة في دمشق أمام مسؤوليات كبيرة لتحصين السلم الأهلي وتمتين الجبهة الداخلية، وتبديد مخاوف بعض الأقليات، والتي يستثمرها هؤلاء لتمرير مخططات تهدد وحدة سورية وتدفعها إلى دورات عنف على أسس طائفية. وبدأت قناة “الجزيرة”، مساء الأربعاء، في بث سلسلة من الوثائق الصوتية كشفت تفاصيل عن محاولات ضباط بارزين في نظام الأسد البائد القيام بتمرد عسكري واسع النطاق في منطقة الساحل، غربي سورية. وكشفت هذه التسجيلات ترحيب أولئك الضباط بالتنسيق مع الجانب الإسرائيلي، في مكالمة ثلاثية ضمت سهيل الحسن، الذي كان قائد فرقة عسكرية في قوات الأسد، وغياث دلة الذي كان يعمل تحت إمرة الحسن، وشخص ثالث أوهمهما بأنه ضابط في جهاز الموساد الإسرائيلي يشرف على الملف السوري، وسرّب لاحقاً هذه المحادثات.
تحرك فلول الأسد
وبيّنت التسجيلات أن رامي مخلوف (رجل أعمال متهم بالفساد)، ابن خالة بشار الأسد، يتولى عمليات تمويل وإدارة محاولات فلول الأسد السيطرة على منطقة الساحل السوري وفصلها عن الجغرافيا السورية. ورصدت تقارير إعلامية تحركاً واسعاً من قبل فلول نظام الأسد البارزين لفتح قنوات اتصال وتعاون مع الجانب الإسرائيلي خلال العام الماضي، للحصول على دعم تل أبيب في محاولات لزعزعة الاستقرار في البلاد وتفكيكها، والحصول على غطاء سياسي وعسكري منها في أي تحرك على الأرض. وظهر مخلوف، مساء الأربعاء، في تسجيل مصور دعا فيه الطائفة العلوية إلى “الالتزام بالصمت”، مشيراً إلى أن “مستقبلنا (العلويين)، هو مع الأصدقاء الروس، ولن ننقل أوراقنا إلى أي طرف آخر”. وحاول فلول النظام البائد التمرد على الحكومة في مارس/ آذار الماضي من خلال شن هجمات على قوى الأمن الداخلي والجيش، ما أدى إلى دورة عنف واسعة ما زالت دمشق تحاول تطويق تداعياتها على السلم الأهلي في البلاد. ولم تنقطع محاولات تحريض العلويين للتظاهر ضد الحكومة ورفع شعارات تطالب بالفيدرالية، وهو ما تعتبره دمشق مقدمة للتقسيم وتنفيذاً لمخطط يُدار من الخارج بدعم واضح من إسرائيل.
بسام العمادي: يجب توسيع القاعدة التي تشكل السلطة الجديدة
وأمام هذه التحديات التي تهدد السلم الأهلي، تبدو الحكومة السورية مطالبة في العام الجديد بالقيام بخطوات جدية وحثيثة لتحصين الجبهة الداخلية في البلاد، وإدارة حوار حقيقي خصوصاً مع العلويين والدروز بهدف تبديد المخاوف والتوصل لتفاهمات حول حوكمة المناطق التي تضم العدد الأكبر من الطائفتين. ويُضاف سعي ضباط النظام البائد وفلوله إلى إدخال البلاد في مسارات تصعيدية، إلى جملة تحديات جسام تواجه الإدارة السورية الجديدة، المطالَبة أكثر من أي وقت آخر بـ”الاعتماد على خبرات وكفاءات السوريين”، بحسب بسام العمادي، وهو سفير سابق في السويد. وأشار العمادي في حديث مع “العربي الجديد” إلى أن الحكومة الحالية “تعتمد على مجموعة محددة من أعضاء هيئة تحرير الشام فقط”، مضيفاً: عليها الاعتماد أيضاً على العدد الكبير من رجال الأمن الذين انشقوا عن النظام البائد لبناء منظومة أمنية حديثة متطورة تؤمن بالعمل التقني، وبالأيديولوجيا الأمنية الحديثة. وتابع: “يجب توسيع القاعدة التي تشكل السلطة الجديدة بالاعتماد على الجميع وإنهاء سياسة الولاء القائمة، وإلا فإننا نعيد اختراع العجلة، ونضيع التجارب التي مر بها السوريون ونعود إلى الماضي بدلاً من السير باتجاه المستقبل. المؤامرات التي تحاك لسورية أكبر من أن تتصدى لها مجموعة محددة من رجال الأمن. الأمر يتطلب أكثر من ذلك”.
من جهة أخرى، لفت العمادي إلى أنه يمكن للحكومة السورية في إطار علاقاتها النشطة مع روسيا، أن تضغط على الجانب الروسي لضبط مسؤولي النظام السابق الموجودين على أراضيها، وإجبارهم على الالتزام بقواعد اللجوء السياسي وعدم ممارسة أي أنشطة تهدد استقرار دول أخرى، وهذا الأمر ينسحب على لبنان أيضاً، الذي هرب إليه العديد من مسؤولي النظام السابق. ولطالما تحدث سوريون منذ إسقاط نظام الأسد عن التشاركية المجتمعية والسياسية في تشكيل ملامح الدولة السورية الجديدة، وارتفعت الأصوات التي تنتقد عدم توسيع دائرة الثقة من قبل الإدارة السورية الجديدة التي لم تبد اهتماماً كافياً بقضايا مهمة ومنها قضية الحوار الوطني، فاكتفت بمؤتمر في هذا الصدد استمر لعدة ساعات فقط. كما لم يتشكل برلمان حتى اللحظة، ما يعني عدم ظهور قانون جديد لإنشاء الأحزاب.
ورأى الناشط السياسي السوري أدهم مسعود القاق، في حديث مع “العربي الجديد”، أن المطلوب من دمشق لمواجهة التحديات “فرض سلطة الدولة على الأراضي السورية كافة”. وتابع: “هذا يتطلب المزيد من الحوار والتفاوض مع كل الجهات والاعتماد على القوى الوطنية ومنظمات المجتمع المدني وتفعيل الأحزاب”. واعتبر القاق أن على الدولة “استخدام القوة لنزع السلاح من كل القوى المناهضة لوحدة سورية، إن كان في الشمال الشرقي أو الجنوب أو الغرب”، مضيفاً: يجب أن تحتكر الدولة السلاح، وتضع حداً لكل المجموعات الخارجة عن القانون سواء كانت ضمن السلطة أو خارجها.
مؤيد غزلان: لا توجد دولة تراهن على فلول نظام الأسد في زعزعة الاستقرار
دمشق تسعى لاستيعاب الساحل
وتحاول الإدارة السورية الجديدة استمالة الطائفة العلوية من خلال العديد من الإجراءات ذات الطابع الأمني، فأفرجت أخيراً عن دفعات من المعتقلين المحسوبين على النظام السابق من عسكريين وأمنيين لتهدئة الشارع في الساحل السوري. وفي السياق، التقى الرئيس السوري أحمد الشرع في منتصف شهر ديسمبر/ كانون الأول الماضي 200 شخصية من أبناء الطائفة العلوية في محافظتي طرطوس واللاذقية، وقدم تطمينات للطائفة العلوية التي تشعر بأنها حُمّلت مسؤولية السياسة التي اتبعها نظام الأسد البائد في قمع السوريين طيلة أعوام الثورة. وتتمحور مطالب الطائفة حول إعادة مفصولين من العمل على أسس طائفية، والحد من الانتهاكات التي تجري بحق المدنيين من قبل مجموعات غير منضبطة، وتحسين الأوضاع المعيشية، فضلاً عن إطلاق سراح موقوفين لا أدلة على ارتكابهم جرائم أو مشاركتهم بها.
وقال الباحث السياسي مؤيد غزلان، في حديث مع “العربي الجديد”، إن تعاوناً محتملاً ما بين فلول نظام الأسد وإسرائيل “غير مؤكد”، مشيراً إلى أن دمشق “بصدد اتفاق أمني مع تل أبيب مدعوم بوساطة واشنطن”. وتابع: أعتقد أنه لا توجد دولة تراهن على فلول نظام الأسد في زعزعة الاستقرار، بعد فشلهم في إدارة الدولة لعدة عقود. كما رأى أن سعي دول إلى زعزعة الاستقرار في سورية “هو إشغال للحكومة السورية عن مكافحة الإرهاب وحفظ وحدتها الوطنية”، معرباً عن اعتقاده بأن الساحل السوري “لا يقبل بولاء سياسي لفلول الأسد، ويرفض مخططاتهم”.
- العربي الجديد


























