يقتضي تحول المنظمات والنقابات والاتحادات في سورية من منظمات تابعة للدولة إلى منظمات شبه مستقلة المرور بعدّة مراحل متدرجة ومدروسة أهمها: إعادة النظر بأنظمتها الداخلية، وتعديل معايير العضوية للسماح بدخول دماء جديدة شابة، وتفعيل دور الأعضاء الحاليين، وتوسيع مشاركاتهم، والإفادة من خبراتهم، وتشجيع من لم ينتسب سابقاً. وكذلك محاولة البحث عن تمويلات محلية ودولية، مع المحافظة على الشفافية والحوكمة، ومن الضروري أن تتحول إلى مؤسسات تشاركية تقوم على التعدد، وتفهّم التنوع السوري، وتقديم الكفاءات والخبرات على الولاءات، والتركيز على أهداف المجتمع مع الانفتاح على المنظمات الشبيهة دولياً.
ولا يقتصر حلُّ مشاكلها على إرادة قياداتها بل هو تعبير عن رؤية الدولة، وتوجهاتها واستراتيجياتها وسياساتها. إذ لا يكفي أن تُشَكَّل مجالس تسيير أعمال لهذه النقابات والمنظمات كمرحلة انتقالية، بل الأمر يحتاج إلى تحديد أدوار هذه اللجان، وصولاً إلى الانتخابات والمؤتمر العام، خلال فترة محددة، كونها الإطار الطبيعي الضامن لتعدد الأصوات والشفافية وطبيعة عملها. فالمنظمات ليست سلطة تنفيذية، بل ممثلة لشرائح اجتماعية ترتبط بمهنة أو نشاط ما.
من المهم أن تعي مجالس تسيير الأعمال أنه لم يعد يوجد لديهم توجيهات تلاحق تفاصيلهم، بل عليهم أن يبادروا هم بأنفسهم باتخاذ خطوات تخدم تلك المنظمات، ما دامت هذه الخطوات لا تهدّد السلم الأهلي وبنيان الدولة في المرحلة الانتقالية، خاصة في مجال الحوكمة والشفافية والديمقراطية التي هي جزء مؤسس لها، إذ لا يمكن لعملها أن ينجح دون وجود أطر قانونية للعمل المدني. ولا بدّ من وضع سقف زمني للتغيير، وصياغة وثيقة مبادئ انتقالية تحدّد المهام والزمن والحدود والمستقبل والعلاقة مع الماضي الإشكالي.
من المهم الإشارة إلى أن المنظمات التي نشأت في حضن الديكتاتورية، إنْ لم تخلغ جلدها وتتبرأ من معظم تاريخها، من الصعب أن تمثل شعباً ضحَّى لأجل الحرية، لذلك لا بد أن تعيد النظر في هويتها، وهيكلها، ومرجعياتها ومفاهيمها وأنظمتها. فإرث التبعية لا يُلغى بالشعارات أو التغييرات الشكلية، بل بتفكيك البنية القديمة وإعادة التأسيس على قاعدة الاستقلال، والشفافية، والشرعية المجتمعية التي يضع سياساتها خبراء وثوريون بتشجيع من السلطة، التي من واجبها ألا تحاول خنق المنظمات بل تتركها تتنفس وتطور ذاتها.
كيف ستدير مجالس تسيير الأعمال المرحلة الانتقالية، وهي ضحية تياريْن: الأنظمة الداخلية المهترئة والقديمة من جهة، والخوف أن تفقد المعايير وأن تنزلق نحو الفوضى، إن تمَّ الاكتفاء بالشرعية الثورية فقط من جهة أخرى.
معروفٌ أن المراحل الانتقالية في حياة المنظمات، هي الفرصة الأسرع لتغيير مسارها، وإعادته إلى ما يخدم الشعب، كي لا يتمَّ تكرار أمراض النظام القديم. ومن القارّ أن دور منظمات المجتمع المدني في مراحل ما بعد النزاع والبلاد التي مرت بحروب؛ يختلف عن دورها في الدول المستقرة. حيث تقوم بدور إسعافي (إغاثة، تمكين نفسي، إزالة الألغام والمتفجرات، العدالة الانتقالية، بحث عن المفقودين) أما في الدول المستقرة فتركز على قضايا التنمية، الثقافة، الحوكمة، الحقوق، المشاركة السياسية.
ويمكن أن تقوم تلك المنظمات في مراحل ما بعد النزاع بدور كبير في إعادة الإعمار، وأن تكون شريكة في بناء المؤسسات وكذلك تفعيل العمل التطوعي، ويمكن تكليفها بدور رقابي في المجال الخدمي، وهو ليس دوراً سلبياً كما يمكن أن تعتقد السلطة التنفيذية، التي من الضروري أن توسع مداركها ومواقفها من المنظمات، بصفتها شريكة استراتيجية لها في خدمة الدولة نحو ما يتمناه المواطنون.
يبقى السؤال، وهو عنوان المقال، صعباً وإشكالياً: هل يمكن أن تتحول الاتحادات والنقابات في سوريا إلى منظمات مجتمع مدني؟ تحتاج الإجابة إلى إرادات متعددة: النقابات والاتحادات ذاتها، والسلطة التنفيذية، ورؤية الدولة.
أما من يحسب أن المنظمات يجب أن تكون تابعة للدولة بشكل مباشر، فهذا غير ممكن لأنها ستصبح جزءاً من السلطة التنفيذية، وهو ما يقوّض وجودها وشفافيتها، ويعني بالتالي فقدان الاستقلالية والموضوعية في التمثيل، فتفقد بذلك ثقة جمهورها ومنتسبيها، وكذلك ثقة المجتمع الدولي الذي يرى في وجود تلك المنظمات بشكل مستقل نوعاً من أنواع حياة المجتمع وحيويته وتنوعه وتعدّده وتمثيله وديمقراطيته.
قد يكون أحد الخيارات القانونية المهمة لوجودها الجديد هو أن تذهب تلك الاتحادات والنقابات والمنظمات إلى وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، وترخّص نفسها من جديد كجمعيات أهلية أو منظمات مجتمع مدني. أما إنْ أرادت الدولة أن تُبقي تلك المنظمات والاتحادات تسير في فلكها؛ فيمكنها أن تصدر تعديلات إحداثها وتطورها لتغدو معاصرة ومعبرة عن نهج سوريا الجديدة بمرسوم أو قانون.
ويمكنها كذلك أن تُتبِع تلك المنظمات لحزب سيمثل السلطة لاحقاً. وفي الوقت نفسه ستسمح لكل حزب أن يكون له منظماته واتحاداته. تلك أسئلة صعبة تحتاج حواراً وطنياً عميقاً وصريحاً، لا يمكن الانتهاء منه قبل تحديد استراتيجيات سوريا الجديدة وهويتها ومسار الحكم.
الأمر في جانب منه يعني تغييراً ثقافياً ومعرفياً في فهم الدولة للنقابات وإدراك أدوارها، إذ لا بدّ من ولادة وعي لدى السلطات في أن الصوت الآخر القادم من الوطن ذاته، والحريص على مؤسساته هو عامل بناء وتراكم إيجابي. هو نوع من الاستمرار في بناء البلد، مع قبول السوري المختلف في الرأي، من خلال الجهاز المنظماتي والنقاباتي المواكب للدولة: مراقبة ونصحاً ومشاركة وجسراً للتواصل بين السلطة التنفيذية والمواطن، لأن في اختلاف هذا الصوت وخصوصيته وغناه وعلاقته التمثيلية مع أصحاب المهن إضافة وتعميراً وبناء.
أخيراً، يولد سؤال آخر، يترافق مع السؤال العنوان، حول إمكانية تحويلها إلى منظمات مجتمع مدني برؤية وطنية، هو: أيهما أقلّ تكلفة تنظيمية وسياسية ومالية وقانونية على النقابات وكذلك السلطات في سوريا؟ تصحيح مسار المنظمات والنقابات والاتحادات الحالية، أم إنشاء منظمات جديدة بديلة وحلّ القديمة، كما تم مع اتحاد الطلبة والشبيبة والطلائع مثلاً؟
- الثورة السورية



























