أعاد إعلان السلطات السورية إحباط مخطط لاستهداف مصفاة حمص، واعتقال خلية قالت إنها مرتبطة بـ”حزب الله” اللبناني كانت تعتزم تنفيذ المخطط، تسليط الضوء على التحديات الأمنية التي تواجهها دمشق في التعامل مع شبكات مسلحة. ويأتي الإعلان في ظل تكرار العمليات الأمنية التي استهدفت خلايا تتهمها الحكومة السورية بالارتباط بالحزب، مقابل نفي الأخير اتهامات بضلوعه في أنشطة تهدد الأمن السوري، ما يفتح تساؤلات بشأن طبيعة هذه الشبكات، ومدى قدرتها على تنفيذ عمليات جديدة، وانعكاسات الملف على العلاقات السورية اللبنانية.
وكانت قوى الأمن الداخلي السورية قد أعلنت أمس الأول الثلاثاء، أن جهاز الاستخبارات العامة، بالتعاون مع قوى الأمن الداخلي، أحبط مخططاً قالت إن خلية تابعة لـ”حزب الله” اللبناني كانت تعتزم تنفيذه ضد مصفاة حمص، موضحة أن العملية أسفرت عن توقيف أفراد الخلية وضبط عبوات ناسفة كانت معدّة لاستهداف المنشأة. وأكدت أن العملية تأتي ضمن جهود ملاحقة الخلايا وحماية المنشآت الحيوية والمقدرات الاقتصادية للبلاد، من دون الكشف عن عدد الموقوفين أو تفاصيل إضافية بشأن المخطط. لكن “حزب الله” نفى في بيان “جملةً وتفصيلاً الاتهامات الواردة في بيان قوى الأمن الداخلي السوري بشأن ارتباط خلية مزعومة بالحزب”، مشدداً على أنه “ليس لديه أي وجود أو ارتباطات في الأراضي السورية، ولا علاقة له بأي نشاط يخل بأمن سورية واستقرارها”.
تهديدات مركّبة وشبكات موروثة
ويرى الباحث في المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة، نوار شعبان قباقيبو، في حديث لـ”العربي الجديد”، أن التهديدات التي تواجهها سورية لا تقتصر على الخلايا المرتبطة بـ”حزب الله”، وإنما تشمل أطرافاً متعددة تختلف في طبيعة نشاطها وأساليب عملها، الأمر الذي يفرض تحديات إضافية على الأجهزة الأمنية.
ويوضح أن “التهديد الذي تواجهه سورية ليس فقط تهديداً من حزب الله، بل هناك تهديدات مركّبة”، مشيراً إلى وجود خلايا لتنظيم داعش، وأخرى مرتبطة بالحزب، إلى جانب شبكات إجرامية تستهدف محاولات تحقيق الاستقرار. ويعتبر أن تعدد هذه الجهات يستدعي تطوير أدوات أمنية مختلفة، لأن التعامل معها بأسلوب واحد لا يمكن أن يكون فعالاً، نظراً إلى اختلاف طبيعة كل تهديد وأهدافه وأساليبه العملياتية.
نوار شعبان قباقيبو: التهديد الذي تواجهه سورية ليس فقط تهديداً من حزب الله، بل هناك تهديدات مركّبة
ويشير إلى أن النتائج التي تعلنها الأجهزة الأمنية، سواء في ملاحقة خلايا “داعش” أو شبكات التهريب أو الخلايا المرتبطة بـ”حزب الله”، تمثل مؤشراً إلى تحسن قدرات العمل الاستباقي. لكنه يؤكد أن هذا التطور لا يعني القضاء على المخاطر بصورة نهائية، موضحاً أن التحدي الأساسي يتمثل في القدرة على اكتشاف التهديد والتعامل معه قبل تحوله إلى عملية فعلية. ويضيف أن تكرار الإعلان عن ضبط الخلايا لا يرتبط بالضرورة بوجود تنظيمات مركزية متماسكة، بل بطبيعة الشبكات التي نشأت خلال سنوات حكم النظام السابق، حين كانت بعض الجهات تتمتع بغطاء رسمي أتاح لها بناء امتدادات محلية وترسيخ نفوذها.
ويقول الباحث السوري إن هذه الشبكات “لا تحتاج إلى أن تكون منظمة، فمجرد وجودها يمثل إشكالية”، موضحاً أن الأجهزة الأمنية لا تواجه تشكيلات حديثة النشأة، بل إرثاً من العلاقات والأدوات والنفوذ الذي تكوّن خلال سنوات طويلة، وتكيّف مع الجغرافيا المحلية والظروف الأمنية.
وبحسب شعبان قباقيبو، فإن سقوط النظام السابق غيّر البيئة التي كانت تتحرك ضمنها هذه الجهات، ودفعها إلى تعديل أساليبها بعد فقدان الغطاء الذي كانت تستفيد منه. ويرى أن تراجع نشاط بعض الخلايا خلال المرحلة الأولى التي أعقبت سقوط نظام بشار الأسد (في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024) لا يعني توقفها عن العمل، وإنما قد يعكس انشغالها بدراسة البيئة الأمنية الجديدة وتطوير وسائل تتناسب معها. ويحذر من إمكانية تكرار العمليات مستقبلاً، مؤكداً أن المطلوب هو الاستمرار في تحسين قدرات جمع المعلومات وتحليلها، وتطوير أدوات العمل الاستباقي لتحييد المخاطر قبل وقوعها.
ضرب الاستقرار الداخلي
من جانبه، يقول الباحث المتخصص في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية، فراس فحام، في حديث لـ”العربي الجديد”، إن زعزعة الاستقرار في سورية قد تخدم الجهات التي تسعى إلى الحفاظ على قدرتها على التدخّل في الشأن السوري، لكنه يشير إلى أن هذا النشاط انحسر بصورة واضحة نتيجة العمليات الأمنية التي نفذتها السلطات السورية.
وفي ما يتعلق بالاعتداءات التي استهدفت قطاع الطاقة، يرى فحام وجود ترابط محتمل بين طبيعة الأهداف المختارة ومحاولات التأثير في الاستقرار الداخلي، معتبراً أن استهداف المنشآت النفطية وخطوط الطاقة يحمل أبعاداً تتجاوز الأضرار المباشرة التي تلحق بالبنية التحتية. ويطرح احتمال ارتباط بعض هذه التحركات بعدم رضا إيران عن الاتفاقيات المتعلقة بتصدير النفط العراقي عبر الأراضي السورية من دون المرور بمضيق هرمز، بوصفه أحد التفسيرات السياسية المحتملة.
ويضيف أن الإضرار بقطاع الطاقة ينعكس على مستوى الخدمات المقدمة للسكان، وقد يؤدي إلى زيادة الاستياء الشعبي من أداء الحكومة، وهو ما يمكن أن يخلق، وفق تقديره، ظروفاً تساعد على عودة النشاط الأمني للجهات التي تستفيد من اضطراب الاستقرار.
على المستوى السياسي، يرى الكاتب الصحافي والمحلل السياسي عبد الله الحمد، في حديث لـ”العربي الجديد”، أن تكرار إعلان السلطات السورية تفكيك خلايا تتهمها بالارتباط بـ”حزب الله”، مقابل نفي الحزب اتهامات سابقة، يحمل دلالات تتصل بمحاولة دمشق إعادة تثبيت سيادتها وتعزيز موقعها الإقليمي بعد سقوط نظام الأسد.
ويقول الحمد إن الإعلانات الأمنية المتكررة تحمل رسائل إلى المجتمعين الإقليمي والدولي، مفادها أن دمشق تسعى إلى استعادة السيطرة الكاملة على قرارها الأمني والسياسي، ومنع تحوّل الأراضي السورية إلى ساحة مفتوحة لنشاط الجهات المسلحة غير الحكومية أو لتصفية الحسابات الإقليمية. ويشير إلى أن هذا التوجه يرتبط أيضاً بمحاولات الحكومة السورية تعزيز التعاون الأمني مع الدول المجاورة، ولا سيما العراق وتركيا والأردن، من خلال ضبط الحدود ومكافحة الأنشطة غير المشروعة، باعتبار ذلك أحد متطلبات الاستقرار وإعادة الإعمار وتوسيع الانفتاح الاقتصادي والدبلوماسي.
عبد الله الحمد: ملاحقة الخلايا التي تتهمها دمشق بالارتباط بـ”حزب الله” تعكس رغبة الحكومة السورية في النأي بالبلاد عن الصراعات الإقليمية
ويضيف أن ملاحقة الخلايا التي تتهمها دمشق بالارتباط بـ”حزب الله” تعكس رغبة الحكومة السورية في النأي بالبلاد عن الصراعات الإقليمية، وتجنّب الانجرار إلى مواجهات مباشرة بين إسرائيل والمحور الذي تقوده إيران، خصوصاً في ظل المخاوف من تعرض الأراضي السورية لضربات عسكرية جديدة.
ويعتبر الحمد أن تكرار الاتهامات السورية يعكس استمرار التوتر بين القيادة الجديدة في دمشق و”حزب الله”، ويربط ذلك بالتحوّلات التي أعقبت سقوط النظام السابق وتراجع النفوذ الإيراني في سورية. ويرى أن الخلاف يتجاوز الحوادث الأمنية المنفردة، ليعكس تغيراً في طبيعة العلاقة بين الطرفين، بعدما كان الحزب أحد أبرز حلفاء النظام السابق خلال سنوات الحرب. وبحسب الحمد، فإن السلطات السورية باتت تنظر إلى نشاط الشبكات المرتبطة بالحزب باعتباره تحدياً أمنياً يتطلب المعالجة، في وقت تسعى فيه دمشق إلى توسيع دورها في الترتيبات الأمنية الإقليمية، بما في ذلك مكافحة “داعش” وتعزيز التعاون مع الدول العربية.
- العربي الجديد
























