ملاحظة المحرر: ينشر موقع “تلفزيون سوريا” هذا المقال للصناعي والسياسي السوري رياض سيف، وهو نص كلمة ألقتها نيابةً عنه ابنته جمانة سيف، خلال فعالية إطلاق كتاب مذكراته “رياض سيف.. سيرة ذاتية وشهادة للتاريخ”، يوم الأربعاء 4 تشرين الثاني 2026 في دمشق، بعد تكييف مقدمته للنشر بصيغة مقال رأي، مع الحفاظ على الكلمة من دون تعديل.
لا تمثل مناسبة صدور كتاب مذكراتي “سيرة ذاتية وشهادة للتاريخ” مجرد إطلاق كتاب، بل استعادة تجربة من النضال والأمل، ومحطات من تاريخ وطننا، ومحاولة لاستخلاص الدروس من الماضي، من أجل بناء مستقبل يليق بالسوريين جميعاً.
لقد آمنت منذ البداية بأن الحوار هو الطريق إلى التفاهم، وأن الاختلاف في الرأي لا ينبغي أن يتحول إلى عداوة أو إقصاء. ومن هذا الإيمان جاءت تجربة منتدى الحوار الوطني عام 2000، الذي حاول أن يفتح مساحة يلتقي فيها السوريون ويتناقشون بحرية، ويبحثون عن حلول لمشكلات وطنهم، بعيداً عن الخوف والوصاية والإملاءات.
لم تكن تلك التجربة سهلة، فقد واجهت التضييق والملاحقة ومحاولات المنع، لكن الإصرار على استمرار جلسات الحوار كان تعبيراً عن إرادة لا تقبل الاستسلام، وعن قناعة بأن بناء الحياة السياسية يبدأ بالشجاعة للاستماع إلى الآخر واحترام حقه في التعبير.
وقد كانت لهذه التجربة أثمان شخصية وعائلية ومادية باهظة. فقد خسرت أحد أبنائي، وخسرت أعمالاً وأموالاً، نتيجة تمسكي بصوت حر وموقفي المطالب بالحرية والمساواة. لكنني لم أعتبر يوماً أن الحرية قضية شخصية، أو أن الدفاع عنها يتوقف عند حدود ما قد يخسره الإنسان.
إن أحد أهم الدروس التي تعلمناها من تجربتنا السابقة هو أن الديمقراطية لا يمكن أن تقوم على الوعود وحدها، بل تحتاج إلى مؤسسات وآليات واضحة تتيح للشعب اختيار ممثليه ومحاسبتهم وتغييرهم عند الضرورة.
ومع انطلاق الثورة السورية، كان واضحاً بالنسبة إلينا أن الحرية لا يمكن أن تتحقق إذا استبدلنا استبداداً باستبداد، أو سمحنا للطائفية بأن تمزق المجتمع الذي نريد إنقاذه.
لذلك، كان رفض الطائفية والدعوة إلى المساواة بين السوريين من المبادئ الأساسية التي تمسكنا بها منذ الأسابيع الأولى للثورة. فالسوريون، على اختلاف طوائفهم وأديانهم وقومياتهم ومناطقهم، متساوون في الحقوق والواجبات.
واليوم، ونحن أمام مرحلة جديدة من تاريخ سوريا، فإن بناء الدولة الجديدة لا يكتمل بتغيير الأشخاص والمؤسسات وحدها، بل يحتاج إلى تغيير طريقة التفكير في السلطة والمواطنة والعلاقة بين الدولة والمجتمع.
نريد دولة مواطنة وقانون، لا تميز بين أبنائها، ولا تسمح بعودة الإقصاء أو الانتقام أو التمييز الطائفي. فالمساواة حق أصيل لكل مواطن سوري، وحماية التنوع ضمانة لوحدة الدولة واستقرارها.
إن أحد أهم الدروس التي تعلمناها من تجربتنا السابقة هو أن الديمقراطية لا يمكن أن تقوم على الوعود وحدها، بل تحتاج إلى مؤسسات وآليات واضحة تتيح للشعب اختيار ممثليه ومحاسبتهم وتغييرهم عند الضرورة.
ومن هنا تأتي أهمية الانتخابات الحرة والنزيهة، وصناديق الاقتراع التي تضمن تداول السلطة، وتمنع احتكارها. فلا يجوز أن تتكرر في سوريا تجربة احتكار السلطة التي عاشها السوريون في عهد نظام الأسد، حيث غابت المشاركة الحقيقية، وأصبح الشعب بعيداً عن القرار الذي يحدد مصيره.
سوريا التي نحلم بها ليست سوريا التي ينتصر فيها فريق على آخر، بل سوريا التي ينتصر فيها القانون على الاستبداد، والمواطنة على الطائفية، والحوار على العنف، وإرادة الشعب على كل أشكال الوصاية.
ولعل تجربتنا في المجلس الوطني لإعلان دمشق، تقدم درساً مهماً في هذا المجال. فقد سعينا إلى اختيار أعضائه بطريقة ديمقراطية، واعتمد المجلس على التمويل الذاتي من أعضائه، حفاظاً على استقلالية قراره، وتأكيداً أن العمل الوطني يمكن أن ينطلق من إمكانات أصحابه وإرادتهم.
لسنا ندعي أن تجاربنا كانت كاملة أو خالية من الأخطاء، لكن من واجبنا أن نحفظ ما فيها من دروس، وأن نناقش إخفاقاتها بشجاعة، لأن بناء المستقبل لا يتحقق بتقديس التجارب السابقة، بل بالتعلم منها وتطويرها.
إن هذا الكتاب ليس نهاية حكاية، بل دعوة إلى مواصلة النقاش والعمل، وإلى تحويل الحوار من لقاءات محدودة إلى ثقافة وطنية وممارسة سياسية راسخة، تشمل مختلف مكونات المجتمع السوري.
لقد دفع السوريون أثماناً باهظة من أجل الحرية، وليس من المقبول أن تضيع تضحياتهم أو أن تتحول أحلامهم إلى شعارات بلا مضمون.
إن مسؤوليتنا اليوم أن نتمسك بالحرية والديمقراطية والمساواة، وأن نحارب الطائفية والإقصاء، وأن نؤسس دولة لا يخاف فيها المواطن من رأيه، ولا يعاقب بسبب انتمائه، ولا يحرم من حقه في اختيار من يحكمه.
سوريا التي نحلم بها ليست سوريا التي ينتصر فيها فريق على آخر، بل سوريا التي ينتصر فيها القانون على الاستبداد، والمواطنة على الطائفية، والحوار على العنف، وإرادة الشعب على كل أشكال الوصاية.
- تلفزيون سوريا






















