من أثر الفراشة إلى حسابات القوة؛ كيف يمكن لهزيمة انتخابية داخل الولايات المتحدة أن تعيدَ تشكيل خيارات الشرق الأوسط، وتضع سوريا ولبنان أمام مرحلة من عدم اليقين؟
لا تحتاج الحروب دائماً إلى قرار بإشعالها، ولا تحتاج التحولات الكبرى إلى حدثٍ يبدو كبيراً في لحظته الأولى. أحياناً التغيير يبدأ من مكان بعيد، ومن تفصيل يبدو داخلياً، قبل أن تظهر نتائجه في مناطق لم تكن طرفاً مباشراً فيه. هذا ما تذكرنا به فكرة “أثر الفراشة” في نظرية الفوضى؛ تغيّر محدود في نقطة البداية داخلَ نظام شديد الترابط قد يقود إلى مسارات مختلفة تماماً في نهاياته. وإذا نقلنا هذه الفكرة وبحذر إلى العلاقات الدولية، فإنّ ما حدث في الانتخابات النصفية الأميركية قد لا يبقى شأناً أميركياً، خصوصاً بالنسبة إلى منطقتين ترتبط حساباتهما الأمنية والسياسية بواشنطن ارتباطاً وثيقاً: دمشق وبيروت.
استعاد الديمقراطيون مجلسي النواب والشيوخ في انتخابات الثالث من تشرين الثاني/نوفمبر، في خسارة كبيرة للجمهوريين وللرئيس دونالد ترامب شخصياً. لكنني أرى أنّ قراءة هذه النتيجة بوصفها انتصاراً ديمقراطياً وانكساراً جمهورياً فقط تفوّت السؤال الأهم: كيف سيتصرف رئيس أميركي فقدَ الغطاء التشريعي الذي كان يتمتع به، لكنه لا يزال يمتلك صلاحيات واسعة في إدارة السياسة الخارجية؟ في النظرية الواقعية للعلاقات الدولية، لا تُقاس قوة الدولة بالخطاب السياسي وحده إنما بقدرتها على حماية مصالحها واستخدام أدوات النفوذ المتاحة لها. ومن هذا المنطلق، لا يعني تراجع ترامب انتخابياً أن الولايات المتحدة ستتراجع عن مصالحها في الشرق الأوسط، ولا أن الديمقراطيين سيعيدون صياغة سياستها الخارجية بمجرد حصولهم على الأغلبية البرلمانية. فالرئيس يحتفظ بصلاحياته التنفيذية وحق النقض بينما يستطيع الكونغرس استخدام التشريع والتمويل والرقابة والتحقيقات لتقييد الإدارة أو إعادة توجيه بعض خياراتها. نحن، إذاً، أمام مركزين للقوة داخل الدولة الأميركية نفسها، وليسَ أمام انتقال فوري للسلطة من حزب إلى آخر.
أظن أنّ هذه المفارقة ستكون أكثر وضوحاً في المرحلة المقبلة. ترامب الذي خسر حلفاءه في الكونغرس يحتاج إلى التفاوض مع خصومه داخلياً، لكنهُ قد يجد في السياسة الخارجية مساحة أوسع لإظهار قدرته على الفعل. لا يعني ذلك أنه سيتجه حتماً إلى التصعيد، فقد يختار إبرام اتفاقات أو تقديم تنازلات أو إعادة ترتيب أولوياته. لكنّ احتمال استخدام الملفات الخارجية لإظهار القوة سيبقى قائماً، خصوصاً أنّ الانتخابات نفسها تأثرت بغضب الناخبين من الحرب مع إيران وارتفاع تكاليف المعيشة. وهنا تصبح السياسة الخارجية جزءاً من الحساب الداخلي، لا مجرد امتداد له.
في دمشق، تبدو المسألة مختلفة. السلطة السورية الجديدة استفادت من التحول الذي قادته إدارة ترامب في العلاقة مع سوريا، من إنهاء العقوبات الشاملة وإلغاء قانون قيصر إلى رفع تصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب في أغسطس 2026. وقد فتحت هذه الخطوات نافذة لإعادة دمج البلاد اقتصادياً وسياسياً، بعد سنوات من العزلة. لكن هذا الانفتاح لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره تحالفاً دائماً أو ضمانة أميركية غير مشروطة؛ فالولايات المتحدة ما زالت تربط علاقتها بدمشق بملفات الأمن والاستقرار ومكافحة التنظيمات المتطرفة وحماية المكونات والعلاقة مع إسرائيل.
ما أخشاه على دمشق ليس أن يأتي الديمقراطيون فيلغوا تلقائياً ما أنجزته إدارة ترامب، بل أن تتحول سوريا إلى ساحة تجاذب جديدة بين البيت الأبيض والكونغرس حولَ شروط الانفتاح وحدوده. وقد تجد الحكومة السورية نفسها مطالبة بتقديم ضمانات إضافية في ملفات الحكم والأمن وحقوق المواطنين، فيما يصبح أي إخفاق داخلي مادة للضغط السياسي الأميركي. وإذا لم تستطع دمشق بناءَ مؤسسات مستقرة وقرار وطني مستقل، فقد تتحول فرصة الانفتاح إلى علاقة غير متكافئة، تتغير شروطها كلما تغيرت موازين القوى في واشنطن.
أما بيروت، فتواجه معادلة أكثر تعقيداً لأنّ مستقبلها لا يتوقف على العلاقة مع الولايات المتحدة وحدها، بل على تداخل الموقف الأميركي والإسرائيلي والإيراني، وعلى قدرة الدولة اللبنانية على فرض قرارها السيادي. فالملف اللبناني حاضر في الحسابات الأميركية من زاوية أمن إسرائيل، وسلاح حزب الله، ومستقبل الحدود، وإعادة الإعمار، ودعم الجيش اللبناني. وقد أظهرت مسارات التفاوض التي رعتها واشنطن خلال العام الجاري أن لبنان ليس منفصلاً عن التفاوض الأميركي الإيراني، وأن أيّ تفاهم إقليمي يمكن أن ينعكس مباشرة على موقع الدولة اللبنانية وقدرتها على التفاوض باسم نفسها.
وهنا أرى أنّ الخطر الأكبر على بيروت هو أن تتحول إلى بند في تفاوض لا تملك مفاتيحه. فإذا قررّ ترامب تقديم إنجاز خارجي يعوّض خسارته الداخلية، فقد يحاول تسريع تسوية إقليمية، لكنّ ذلك لا يعني بالضرورة أن تكون التسوية لمصلحة لبنان. وإذا اختار الديمقراطيون تشديد الرقابة على الإدارة أو مراجعة بعض سياساتها، فقد تتغير أدوات الضغط الأميركي من دون أن تتغير الأولويات الاستراتيجية الأساسية. وفي الحالتين، يبقى السؤال اللبناني معلقاً على قدرة الدولة على انتزاع موقع مستقل في المفاوضات، بدلاً من الاكتفاء بانتظار ما ستقرره العواصم الأخرى.
قد يكون أثر الفراشة هنا أكثر من كونه استعارة. فالانتخابات الأميركية غيّرت نقطة من نقاط التوازن داخل الدولة الأقوى دولياً، لكنّ اتجاه النتائج الإقليمية لن يتحدد في واشنطن وحدها. ستدخل حسابات إسرائيل وإيران وتركيا، ومواقف القوى المحلية، وقدرة الحكومات على استثمار الفرص أو تبديدها، في تشكيل المسار المقبل. وما يبدو اليوم تغييراً في موازين الكونغرس قد يصبح غداً عاملاً في إعادة ترتيب التحالفات أو شروط التفاوض أو أدوات الضغط. ولا أعتقد أنّ دمشق وبيروت أمام نتيجة واحدة، ولا أنّ سقوط الأغلبية الجمهورية يعني سقوط السياسة التي اتبعتها إدارة ترامب في المنطقة. لكنني أعتقد أنّ المرحلة المقبلة ستختبر قدرة الدولتين على التعامل مع عالم تتغير فيه مراكز القرار وتتبدل فيه التحالفات بسرعة أكبر من قدرة المؤسسات الهشة على التكيف.
لقد اعتادت المنطقة انتظار ما تقرره واشنطن، ثم بناء حساباتها على ما يصدر عنها. وربما حانَ الوقت كي يتغير هذا المنطق. فالدولة التي لا تملك مشروعاً داخلياً واضحاً، ولا أدوات تفاوض مستقلة، ستبقى عُرضة لارتدادات كلّ تحول خارجي، حتى لو لم تكن طرفاً فيه. و قد تبدأ الحكاية من صندوق اقتراع في أميركا، لكنّ نهايتها لن تُكتب بالضرورة في واشنطن، والسؤال الذي ينبغي أن يشغلَ دمشق وبيروت ليسَ من ربح الانتخابات الأميركية، بل من يملك القدرة على منع ارتداداتها من تقرير مصيرهما.























