ليست القضية أن الحزب الديمقراطي تفوّق على الجمهوري في الانتخابات النصفية للكونغرس في أميركا، في أثناء ولاية رئيس جمهوري، فقد حدث عكس هذا في أثناء رئاستي الديمقراطيَين، بيل كلينتون وباراك أوباما. القضية أن تنكسر الترامبية، وينخدش زعيمُها البرتقالي المقيم في البيت الأبيض. أن تصحّح الولايات المتحدة أحوالها، وقد أعملَ فيها المذكور خراباً قيميّاً ومؤسساتيّاً مشهودَيْن، بل ومجتمعيّاً أيضاً. لم يكن أسلافُه ملائكيين، ولا زعماء قياديين في الأخلاق والمناقبية، ولكن أحداً منهم لم يكن ببذاءته الشخصية (لا يتحرّج من أي ألفاظ)، ولم يحدُث أن رئيساً أميركيّاً تطاول على مرشّح في أي انتخاباتٍ من غير حزبه بعنصريةٍ فاقعة، فيتطاول على اسمه ودينه. ولم يحطّم أيُّ رئيسٍ للولايات المتحدة غيره بديهيّات العمل المؤسّساتي في إدارة الدولة، فيُغالي في الزبونيات الشخصية لأصهاره وزوجته وأصحابه والمنتفعين، فيبعثرهم في مواقع ومهمّاتٍ على حساسيةٍ عالية، فيما هم ناقصو الأهلية والجدارة. ولم يقترف سابقٌ عليه شناعاتٍ كاريكاتورية، تحطّ كثيراً من مكانة رئيس أقوى دولة، مثل إقالة أعضاء مجلس أمناء مركزٍ للفنون المسرحية والمشهدية، وتنصيب نفسه رئيساً لهذا المركز، في دكتاتوريةٍ لم يُقدم على مثلها رئيس بلدية في كمبوديا زمن بول بوت. وعلى ما كانا عليه من بلاهاتٍ وفوقيةٍ وسطحية، ومن يمينيةٍ مُغالية، رونالد ريغان وجورج بوش الابن، فإنهما أحاطا نفسيْهما بأهل خبرة، ولم ينطق أيٌّ منهما بما يشقّ المجتمع الأميركي ووحدته، ولم يزاولا رداءاتٍ معيبةً في جولات التنافس الانتخابية البرلمانية والرئاسية. وحرصا أيضاً على تسييج خياراتٍ للولايات المتحدة عالمياً بتوافقاتٍ أطلسية أو أوروبية أو أممية، على غير ما يصنع هذا المتطاوس، المزهو بذاتيّته بمرضيةٍ معلنة، عندما يستخفّ بالعالم، ويخلع على نفسه صفة صانع السلام، ويستجدي جائزة نوبل في صورة مضحكة. وتضاف إلى ذلك كله، وكثير غيره من مظاهر الخروج على السوية البشرية في شخص رئيس بلد (أي بلد)، أرطال الكذب فيه، ثرثراته الاستعراضية في كل شيء، وإرهاق العالم بها سحابة كل نهار وفي كل مساء.
زوايا النظر في انتخابات الثلاثاء الماضي الأميركية عديدة، وكذا أوجه الدروس المتحقّقة فيها، بالنظر إلى أن تغيّراً ثقيلاً أحدثته يُفترض أن يقيّد مساحات دونالد ترامب في قراراته في غير ملف، وإنْ ليس متوقّعاً أن تُرى تغييراتٌ انعطافيةٌ كبرى في السياسة الأميركية في شؤونٍ داخلية وخارجية، ليس فقط بالنظر إلى صلاحيات الرئيس الواسعة دستورياً، وإنما أيضاً لأن القوى المجتمعية في حالة تدافعٍ بين مساراتٍ شديدة اليمينية والمحافظة وأخرى تقدّميةٍ ترى الشعب بعيونٍ أوسع. غير أن صاحب هذه الكلمات يستكشف من نتائج الانتخابات أن ثمّة في المجتمع الأميركي من يستشعرون أن ترامب أصبح عبئاً على بلدهم مُتعِباً ومكلفاً، بل مؤذياً أيضاً، ومن بالغ الضرورة تعافي الولايات المتحدة منه، وتطويق الخراب الشاسع الذي أحدثه على غير مستوى، سيّما أنه لم يعد فرداً انتُخب رئيساً، وسيأتي يومٌ يغادر موقعه، بل هي الترامبية التي أصبحت مجرىً ثقافياً يتوطّن في ذهنيات أميركية نافذة في مؤسّسات كبرى وصغرى، وفي مواقع لصنع القرارات وتعيين الرهانات والخيارات، ذات نزوعاتٍ بتفوّق عرقي (أبيض) وتوجّهاتٍ إلى غلبة يمينٍ على يمين، ومدينيين على هوامش وأطراف، فضلاً عن مواقف أصحاب هذه الذهنيات من المهاجرين وأبنائهم وأحفادهم. والبادي أن الانتخابات، أخيراً، دلّت على أن هناك اشتباكاً عسيراً وعويصاً يحدُث في الولايات المتحدة بين الترامبية وخصومها، بين زهران ممداني في نيويورك ويمينٍ ركيك فيها، بين ما يمثله ترامب وما تعبّر عنه الشرائح الاجتماعية التي تُبعد مرشّحين جمهوريين متطرّفين عن مقاعد في مجلسي الكونغرس في ولاياتٍ تُحسب جمهورية منذ عقود (كانساس منذ 1932)، بين من ينفقون في ولاية ميشيغن ملايين الدولارات من أجل أن يخسر عبد الرحمن السيد المنافسة القاسية على مقعدٍ في مجلس الشيوخ ومن يعملون من أجل أن يُحرز هذا المسلم الأربعيني ابن الأسرة المصرية المهاجرة المقعد، ومنهم باراك أوباما.
كأن أميركا تحاول أن تتخفّف من عبء ترامب، أن تتحرّر منه. نجحت جزئياً في هذا في انتخاباتٍ نصفية الثلاثاء الماضي، والمنتظر أن تنجح في مكاسراتٍ أخرى، فالمعركة متدحرجة، والانتصار فيها مرجّح.
- العربي الجديد
























