وصفت نتائج الانتخابات النصفية الأمريكية بأكثر من وصف بأنها «مذبحة» الجمهوريين الذين خسروا سيطرتهم على الكونغرس، وأطلق عليها «الثلاثاء الدامي»، وفي حالة الرئيس دونالد ترامب الذي قضى الأيام الأخيرة من حملات الحزب الانتخابية وهو يتباهى بتجديده للبركة العاكسة في نصب لينكولن التذكاري بواشنطن أو يتغزل بمؤخرة أحد مرشحي حزبه ومهاجمة المرشح الديمقراطي عن ميشيغان عبد الرحمن السيد ووصفه بالجهادي، فنتائج الانتخابات لم تكن أبدا عنه ولا إهانة له وجهها الأمريكيون له، فقد خسر الحزب لأنه لم يكن على بطاقة المرشحين، مع أن الحقيقة هي عكس هذا. فقد طالب من الأمريكيين التصويت في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس وكأنه على رأس القائمة في حزبه. وفهم الأمريكيون الرسالة وجعلوا الانتخابات في 3 تشرين الثاني/نوفمبر استفتاء عليه وعلى ولايته الثانية بكل ما فيها من فشل وفساد وحروب غير ضرورية.
وفي البحث عن كبش فداء ألقى ترامب باللوم على حزبه، أما نائبه جيه دي فانس فقد اعترف بأن الحرب على إيران نفرت الناخب الأمريكي، لأنها تسببت بارتفاع كلفة المعيشة وزيادة أسعار البنزين والديزل وهي قضية تهم الأمريكيين كثيرا. ورغم محاولاته استرضاء فلاديمير بوتين وعقد صفقة نفط معه وحديثه عن نهب النفط الفنزويلي بعد تغيير النظام إلا أن حرب إيران كان عاملا مهما في نتائج الانتخابات النصفية. طبعا هذا لم يرض داعمي إسرائيل في الإعلام الأمريكي، حيث لم يهاجم ترامب الذي تحدث أولا لصحيفة «وول ستريت جورنال» صباح الإعلان عن النتائج أن إيران لعبت دورا، إلا أن الصحيفة نفسها اتهمت فانس لأنه وضع إسرائيل في وسط اللوم، ذلك أن هناك شعورا عاما بين الناخبين الأمريكيين من أن بنيامين نتنياهو جر ترامب إلى حرب صورها بالنزهة، تنهي النظام الإيراني وتقضي على الخطر النووي، وهي مستمرة منذ تسعة أشهر وكلفت الخزانة الأمريكية 47 مليار دولار باستثناء الضرر الذي أحدثته على القواعد الأمريكية في الخليج والأردن.
ورأت صحيفة «نيويورك تايمز» (3/11/2026) أن الهزيمة الكاسحة للحزب الجمهوري هي تعبير عن رفض الأمريكيين لترامب الذي قالت أنه أمضى العامين الماضيين في محاولة لتقويض الديمقراطية الأمريكية وفي يوم الثلاثاء، وقف الناخبون في وجهه. ففي مواجهة محاولاته المتكررة للتلاعب بانتخابات التجديد النصفي، من خلال التلاعب المفرط بالدوائر الانتخابية والادعاءات الكاذبة بتزوير الانتخابات وجهود منع التصويت عبر البريد، وغير ذلك، استجاب عشرات الملايين من الأمريكيين بالخروج للتصويت ورفض الحزب الجمهوري الذي كان يدعمه. وخسر الجمهوريون حتى في معاقلهم التقليدية، بما في ذلك كانساس وكنتاكي وأيوا وأوهايو وساوث كارولاينا وتكساس. وعلقت الصحيفة ان هذه النتيجة تعتبر رادعا حاسما لسلوك ترامب الاستبدادي وستمكن الديمقراطيون من التحقيق في فساده وانتهاكاته للقانون وسن تشريعات تقدم بديلا لبرنامجه الضار والمضر، مضيفة أن الشعب الأمريكي يشعر بالتغيير فعلا وسيصبح هذا التغيير حقيقة في كانون الثاني/يناير. وتقول الصحيفة أن الأمريكيين أكدوا في تصويتهم أن سلطة اختيار قادتهم ملك لهم وعليهم اتخاذ الحيطة والحذر حتى يقوم المسؤولون بالتصديق على كل سباق ويتولى الفائزون مناصبهم.
بطة عرجاء
وانضم ترامب بنتائج الانتخابات الأخيرة إلى قائمة من الرؤساء الذين خسروا انتخابات تجديد في ولايتهم الثانية من جورج بوش الأب إلى بيل كلينتون وباراك أوباما، ووجدوا في السنتين الباقيتين لهم فرصة لتحقيق هدف في السياسة الخارجية، فقد عقد أوباما اتفاقية نووية مع إيران عام 2015، وحاول كلينتون التوصل إلى تسوية بين الفلسطينيين والإسرائيلييين.
وعادة ما يكتشف والرؤساء الذين يفقدون سيطرتهم على الكونغرس في ولايتهم الثانية حقيقة أن الوقت قد فات لإقرار تشريعات رئيسية أو إطلاق مبادرات سياسية داخلية أخرى. وبينما يفكرون في إرثهم، غالبا ما يتجه هؤلاء الرؤساء إلى السياسة الخارجية، حيث تتيح لهم سلطة الرئاسة التصرف بحرية تامة بعيدا عن ضغوط السياسة الداخلية. ويظل ترامب مختلفا عن أسلافه لانه أول رئيس أمريكي خلال المئة عام الماضية يشغل منصب الرئاسة لفترتين غير متتاليتين، وبالتالي فهو الزعيم الأمريكي الوحيد في الذاكرة المعاصرة الذي يمر بفترة رئاسية ثانية غير مكتملة، وهذه المرة تمتد لأكثر من عامين.
ومع تغير المشهد في الكونغرس، فإن التهديد بعزله أو التحقيق في معاملات عائلة ترامب التجارية سيشعره على الأرجح بأنه محاصر وغاضب. وهذا ما يجعل ما تبقى من ولاية ترامب الرئاسية بالغ الخطورة. فترامب المحاصر، الذي لا يملك منفذا واضحا وحيويا في السياسة الخارجية لتوجيه طاقته، قد يقدم على هجمات دولية.
وكما أشار مقال في مجلة «فورين أفيرز» (4/11/2026) فمن الطرق التي يمكن لترامب من خلالها التصرف بعيدا عن الكونغرس، مثل إصدار تهديدات جديدة ضد كندا أو شن هجمات جديدة على تحالفات الولايات المتحدة أو التواطؤ مع روسيا أو الصين على حساب أوكرانيا أو تايوان. لكن تحويل تلك التهديدات إلى سياسة يتطلب جهدا جادا، مثل إعادة تموضع القوات الأمريكية أو التفاوض المؤلم مع القوى العظمى الأخرى. إلا أن الملفين اللذين سيمكنا ترامب التحرك فيهما هما إيران وكوبا، فقد ذكرت صحيفة «نيويورك تايمز» أن إدارة ترامب وإسرائيل وضعتا خططا لشن ضربات جديدة على إيران فور انتهاء انتخابات التجديد النصفي. ومع ذلك يقلل الكاتبان من فرصة نجاح محاولة أخيرة لإجبار طهران على الاستسلام، بل إنها ستعرض الاقتصاد العالمي وأمن واستقرار حلفاء الخليج العربي للخطر. وربما حاول ترامب أيضا فرض تغيير النظام في كوبا، ولن يتطلب العمل العسكري ضد كوبا وإيران سوى موافقة من ترامب. ومع عدم وجود انتخابات في الأفق، فإن كل ما يقيد الرئيس في الخارج هو شعوره بإرثه. وربما كان هذا السيناريو قريبا من شخصية ترامب، فكما قال كاتب العمود كارلوس لوزادا «عندما يشعر أنه محشور ومحاصر، يهاجم»، فالوضع الذي كشفت عنه نتائج الانتخابات حسب وصف مجلة «إيكونوميست» (5/11/206) هو أن ترامب وحزبه عانوا من موجه عاتية يطلق عليها راكبو الأمواج «الغسالة»، فعندما تلقي بك موجة عاتية من على لوح التزلج وتغرقك تحت الماء، تفقد إحساسك بمكانك. وهذا ما حدث لدونالد ترامب وحزبه في3 تشرين الثاني/نوفمبر، حين تلقوا هزيمة ساحقة من عشرات الملايين من الناخبين الأمريكيين ولا يزالون عاجزين عن استيعاب حجم التغيير الذي طرأ على بلادهم.
ومن الواضح الآن أن هذه لم تكن مجرد موجة انتخابية عادية ضد رئيس في منصبه، بل كانت أكبر موجة انتخابية منذ فضيحة ووترغيت قبل أكثر من خمسين عاما. حيث فاز الديمقراطيون لان مجمل سياسة ترامب الداخلية والخارجية فشلت واكتشف الأمريكيون فساد رئيسهم وانفصاله عن الواقع وعدم اهتمامه بمعاناتهم، ولأنه ورطهم في حروب وعدهم بأنه لن يخوضها أبدا.
ولعل أهم ما كشفت عنه انتخابات التجديد النصفي هي خطل فكرة عدم اهتمام الناخب الأمريكي بالسياسة الخارجية، حيث كان فانس محقا في الإشارة إلى إيران، مع أن ترامب اعترف قبله بعامل الحرب كسبب للخسارة، مع الاعتراف أن هذا لا يفسر «تسونامي» الديمقراطيين، فقد أضاف فانس لازمة أخرى قال فيها إنه يجب إعادة النظر في العلاقة مع إسرائيل. وقد حاول ترامب استباق الأمور عندما أعلن بشكل مفاجئ أنه سيوقف الدعم المالي السنوي لإسرائيل، وهو ما وافق عليه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، مع أنه أطر الأمر كوسيلة لسحب البساط من «مجانين» مثل السيد. وبدون الحديث عن تفاصيل فإن قطع الدعم استبقه مشروع وافق عليه نتنياهو لدمج الصناعة العسكرية الأمريكية والإسرائيلية كان يناقشه الكونغرس الجمهوري. كما أن العقود العسكرية الآجلة تجعل عملية قطع الدعم السنوي صعبة.
وكانت إسرائيل والمال السياسي الذي تقدمه جماعات اللوبي التابعة لها مثل اللجنة الأمريكية -الإسرائيلية للشؤون العامة «أيباك» في قلب الانتخابات التمهيدية والوطنية، فلهزيمة السيد دعمت منافسته هايلي ستفينز بـ 30 مليون دولار واستمرت بالإنفاق على حملة النائب الجمهوري السابق مايك روجرز بملايين أخرى.
ويرى الكاتب هوارد فرينتش في «فورين بوليسي» (4/11/2026) أن مقولة عدم اهتمام الناخب الأمريكي بالسياسة الخارجية والتي يسوقها الإعلام الأمريكي عادة في كل انتخابات ليست صحيحة. وهو ما أشارت إليه صحيفة «الغارديان» (5/11/2026) في افتتاحيتها عندما قالت إن انتخابات التجديد النصفي كانت تذكيرا قويا غير مسبوق بأن السياسة الخارجية والداخلية لا يمكن تجاهلهما وأن الناخبين، إلى جانب القادة الذين يختارونهم، يساهمون في تشكيل علاقة الدولة بالعالم. مشيرة إلى أن فانس كان محقا في تأكيده على ضرورة «تغيير علاقتنا مع إسرائيل». ومثلما جاء إعلان ترامب المفاجئ بأن الولايات المتحدة ستنهي المساعدات العسكرية بحلول نهاية العام، فإن هذا يعد ردا متأخرا على تحول جذري في الرأي العام، حيث بات معظم الأمريكيين يحملون آراء سلبية تجاه حلفائهم بسبب حرب الإبادة الجماعية التي تشنها إسرائيل في غزة وسعي نتنياهو إلى حرب دائمة في المنطقة.
ومثل ما جرى مع الحزب الديمقراطي، يكتشف الجمهوريون أن غزة عامل مهم في تشكيل الرأي العام الأمريكي وأن الكثير قد تغير منذ أن دعمت أمريكا حرب نتنياهو وتدميره الكامل لغزة. وكانت فلسطين وغزة حاضرة في صناديق الاقتراع الأمريكية. وفاز السيد على ورقة فلسطين وكانت حاضرة في خطاب فوزه صباح الأربعاء. والسؤال هل يستطيع هو ومن فازوا بسبب الغضب الشعبي على دعم أمريكا المستمر للإبادة تغيير الواقع؟ فما ينتظره هو ومن معه حزمة كبيرة من القضايا، وعليهم مواجهة قيادات الحزب في الكونغرس، حكيم جيفريز الذي سيصبح زعيما للأغلبية الديمقراطية وتشاك تشومر، الذي سيقود الأغلبية الديمقراطية، ولهذا كان السيد واضحا عندما طالب بتغيير السناتور تشومر، حسبما أشارت صحيفة «واشنطن بوست» (4/11/2026)، حيث أعلن في مقابلة معها تفضيله لسناتور ولاية ميريلاند كريس فان هولين على تشومر. وكان السيد واضحا في حديثه عن المال السياسي: «إنه يفسد كل شيء آخر» و«لماذا لا نملك رعاية صحية مضمونة؟ السبب هو المال في السياسة، لماذا نحن منشغلون جدا بخوض الحروب وإنفاق أموالنا على الحكومات الأجنبية؟ السبب هو المال في السياسة، لماذا لا توجد لدينا نقابات؟ السبب هو المال في السياسة».
وعلق إدوارد لوس في صحيفة «فايننشال تايمز» (4/11/2026) أن ليلة الثلاثاء شهدت العديد من الخاسرين إلى جانب ترامب، فقد أدرك إيلون ماسك، الذي ضخ أكثر من 200 مليون دولار من أمواله الخاصة في سباق مجلس الشيوخ في تكساس، أنه حتى التبرعات الضخمة تاريخيا لا يمكنها شراء الحب أو النتائج في مواجهة هذا التحول الشعبي القوي. وكانت ليلة عصيبة «أيباك»، التي كانت تتمتع بنفوذ كبير، والتي أنفقت أموالا طائلة في محاولة لهزيمة عبد السيد في ميشيغان، وكانت ليلة كارثية على فيفيك راماسوامي، خليفة ترامب المتغطرس، الذي هزم في انتخابات حاكم ولاية أوهايو وقد يضطر الآن إلى اعتزال السياسة بعد أن أنفق جزءا كبيرا من ثروته الشخصية على ما كان ينظر إليه قبل أشهر قليلة فقط على أنه رهان مضمون. وأضاف لوس أن كل تدخل قام به ترامب وفي كل سباق انتخابي، ارتد عليه بنتائج عكسية.
وفي هذا السياق تقول صحيفة «نيويورك تايمز» (6/11/2026) إن ماسك أنفق 500 مليون دولار على حملات لتغيير أمريكا لتصبح طوع بنانه وفشل. وقالت المعلقة ميشيل غولدبيرغ أن ماسك أنفق نصف هذه الأموال على ولاية تكساس التي أصبحت موطنه منذ عام 2020، عندما غادر كاليفورنيا غضبا من اللوائح والقيود المفروضة بسبب كوفيد-19. ثم نقل معظم إمبراطوريته التجارية إلى تكساس، بل وبنى مدينته الخاصة، ستاربيس هناك. وقد مول ماسك بمفرده تقريبا حملة كين باكستون، المدعي العام لولاية تكساس، الذي كان مكروهًا على نطاق واسع، لمجلس الشيوخ. غرد بشكل مهووس عن جيمس تالاريكو، خصم باكسون، مضخما نظريات المؤامرة التي تزعم أن تالاريكو كان في مصحة عقلية بينما كان في الحقيقة مريضا بالإنفلونزا. وبدوره، بدا تالاريكو أحيانا وكأنه يُهاجم ماسك بقدر ما يهاجم باكسون. حتى قبل فوزه بترشيح الحزب الديمقراطي، هاجم جشع ماسك قائلا: «إن سبب وجود الفقر في أغنى دولة على وجه الأرض ليس عجزنا عن إطعام الفقراء، بل عجزنا عن إرضاء الأغنياء، لكن ما يمكننا فعله هو فرض ضرائب باهظة على أصحاب المليارات حتى يصبحوا بلا مأوى». وفي الشهر الماضي، قال أمام حشد غفير في أوستن – التي كانت حتى وقت قريب جنة لرجال التكنولوجيا، إن ماسك يحاول شراء الولاية لنفسه. قال تالاريكو: «إيلون ماسك يريد أرضنا، يريد مياهنا ويريد أموال ضرائبنا ويريد سيناتورا خاصا به في مجلس الشيوخ الأمريكي». ولم يكن تالاريكو وحده من فعل ذلك. جينا هينوجوسا، ممثلة ولاية تكساس الديمقراطية التي أذهلت العالم السياسي بإطاحتها بحاكم تكساس، غريج أبوت، جعلت معارضة مراكز البيانات ونفوذ أباطرة التكنولوجيا محورًا أساسيًا لحملتها الانتخابية. وهاجمت علاقة أبوت بإيلون ماسك، الذي حصلت شركاته على أكثر من 1.6 مليار دولار كحوافز ضريبية وأكثر من 100 مليون دولار كمنح حكومية من تكساس. ما يعني أن السيد له رفاق ساخطون على المال السياسي الذي يحرم الأمريكيين من الحياة الكريمة ويستخدم أموال الضرائب التي يدفعونها لتمويل حروب إبادة في دول أخرى.
وأشار المعلق ديفيد هيرست في موقع «ميدل إيست آي» (5/11/2026) إلى أن ما حدث يوم الثلاثاء لم يكن ليحدث بدون انهيار الحزب الديمقراطي أولا حيث واصل جو بايدن وخليفته كامالاهاريس دعم الحرب الإبادية في غزة، وسيظل اسميهما ملتصقان بها إلى الأبد. ولهذا لم تكن الهزيمة الجمهورية ممكنة بدون تغير في الحزب، مع أن أسماء مهمة ظلت مترددة حتى النهاية بدعم مرشحين مثل السيد، فقد عبرت نانسي بيلوسي التي قادت الحزب في مجلس النواب عن «قلقها» من مواقف السيد التي توصف في الصحافة المؤيدة لإسرائيل بالمعادية للسامية، ما يعني أن المؤسسة الديمقراطية التي وافقت ودعمت قتل الفلسطينيين لا تزال تتحكم بالأمور، وهو تحد أشار إليه عدد من المعلقين منها تقرير في موقع «ذي انترسبت»(5/11/2026) تحدث فيه كاتبه عن ما ينتظر أول سناتور مسلم في الكابتيال هيل.
ومهما يكن في الأمر فلا أحد ينكر أن إسرائيل كانت عاملا في توجهات الناخبين، وفي الوقت الذي لام فيه المعلقون نتنياهو على تراجع مكانة إسرائيل، لتركيزه على الجمهوريين، إلا أن المال المدفوع لدولة صغيرة هو ما أثار غضب الناخب الأمريكي. وعندما قال يائير لابيد أحد زعماء المعارضة الإسرائيلية إن هناك حاجة لـ«حملة» جديدة رد عليه الديمقراطي الفائز عن نيويورك، براد لاندر، قائلا: «لسنا متعطشين لجولة استعراضية، بل نتوق لرؤية احترام القانون الدولي وحقوق الإنسان».
والمتابع للصحافة الإسرائيلية يلاحظ أن التركيز ظل على دور نتنياهو في تدهور العلاقة بدون الإشارة إلى حرب غزة التي أحدثت تحولات في المواقف الأمريكية. ولا غرو فإن خسارة نتنياهو وعدم قدرته على تحقيق أغلبية في الكنيست وخسارة ترامب جعلت من منظور الحرب ضد إيران أمرا واقعا وعلمت مرحلة جديدة من الاضطراب في المنطقة، على حد صحيفة «فايننشال تايمز» (5/11/2026) بالإشارة لتقرير واحد فقط مما ورد.
والمفارقة أن ترامب انضم لنتنياهو من أجل تغيير النظام في إيران، فانتهى بتغيير النظام في تكساس وميشيغان وساوث كارولاينا. فقد قدم برونو ماسايس، المفكر البرتغالي والوزير الحكومي السابق، تلخيصا موجزا لانتخابات التجديد النصفي الأمريكية؛ إذ كتب على منصة إكس: «إذن، حدث تغيير النظام في تكساس قبل طهران».
وعلق إيشان ثارور في «ذي نيويوركر» (5/11/2026) أن «الموجة الزرقاء» (الديمقراطية) اجتاحت ولاية تكساس، ثاني أكبر ولايات أمريكا من حيث عدد السكان، مما مكن الديمقراطيين من الفوز في جميع السباقات على مستوى الولاية، والإطاحة بالحاكم أبوت، وانتزاع مقعد في مجلس الشيوخ لصالح الحزب الديمقراطي لأول مرة منذ عام 1988.
وفي وقت متأخر من الليل في مدينة أوستن، خرج الناس إلى الشوارع، يطلقون أبواق سياراتهم ويحتفلون، في مشهد وصفه أحد المراقبين بأنه يشبه «مدينة في أوروبا الشرقية أطاحت للتو بديكتاتور».
فقد كانت المهمة العسكرية الرامية إلى إسقاط النظام في طهران، والتي روج لها كل من ترامب وليندزي غراهام في وقت سابق من هذا العام هي السبب في سقوط الجمهوريين. وكعادة ترامب ومع توالي أنباء الهزائم التي مني بها الحزب الجمهوري، تنصل من المسؤولية عن هذه الخسائر الفادحة ودافع عن الحرب، مصرحا لموقع «بوليتيكو» «قائلا: «أنا مقتنع تماما بأن قراري بشأن إيران كان صائبا تماما، ويصب في المصلحة طويلة الأمد للبلاد وللعالم بأسره». وهذا كلام رئيس منفصل عن الواقع. وقد ذكرنا فينتان أوتول بمقاربة له عن الجيل اليساري الجديد من الديمقراطيين بمجلة «ذي نيويورك ريفيو أوف بوكس»(5/11/2026) بما كتبه غابريل غارسيا ماركيز في بداية روايته «خريف البطريرك» عندما اقتحمت الجوارح نوافذ القصر الرئاسي، حيث حكم الديكتاتور إلى الأبد، و«استيقظت المدينة من سباتها الذي دام قرونا على نسيم دافئ ولطيف لرجل عظيم ميت وعظمة متعفنة».
وعلق أوتول قائلا إن الطاغية المحتمل لم يمت بعد انتخابات التجديد النصفي، إلا أن الجوارح تحوم حول رئاسته ونسيم العظمة المتعفنة يهب على واشنطن و«هذا هو خريف البطريرك الذي تفوح رائحته المتعفنة».
وقد «انهار قوس انتصار ترامب الوهمي قبل أن يبنى، لم يحل الفوز المفاجئ للديمقراطيين في انتخابات التجديد النصفي أي شيء، لكنه وسع آفاق الممكن في السياسة الأمريكية. كان ترامب ذات يوم سيد المستحيل، والآن أصبح ضحيته، وبفضله فاز الديمقراطيون في أماكن بدت، حتى في بداية عام 2026، بعيدة المنال عنهم. أصبح ترامب بمثابة الراعي الروحي للقضايا الديمقراطية الخاسرة».
- القدس العربي





















