الحياة – 07/12/08//
الأجواء كلها عاصفة في لبنان، إلا الأحوال الجوية!
وهذا الدفء في غير أوانه مع بداية شهر كانون الأول (ديسمبر) يثير بعض الارتياح في النفوس المُتعبة والمسحوقة بالضغوط من كل لون ونوع. أما الشأن السياسي فتلك مسألة أخرى.
إن الجولات والزيارات التي يقوم بها رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان أعادت وضع لبنان على خريطة العالم، والعمل على «تصويب» أسلوب التعاطي من جانب هذه الدول على اختلافها مع سلطة مركزية واحدة وهي شخص رئيس البلاد.
وفي هذا المجال يخوض الرئيس سليمان العديد من القضايا الاشكالية وعلى جبهات عدة وفي أوقات متزامنة. فهو يعمل بدافع إرادي كبير على لملمة «الفصائل اللبنانية» المتصارعة عبر إدارته لجلسات الحوار الوطني التي تعقد في القصر الجمهوري في بعبدا، وهذا يندرج ضمن العمل على استرداد السلطة المركزية لموقع رئاسة الجمهورية. وفي جانب آخر العمل على اقامة علاقات متوازنة مع مختلف الدول العربية والاقليمية والدولية، وهو يعلم أن مهمته شاقة وصعبة، لكنه يتحصن بإرادة قوية وثابتة في مواجهة الأمور المعقدة، وهو في هذا المجال من أنصار التصدي لحل المشاكل وليس الهروب من استحقاقاتها. ومن مزايا هذا الرئيس أن لديه مقاربات ايجابية حيال القضايا الخلافية المطروحة كافة والبقاء على مسافة واحدة من الجميع، مقابل تمسكه بمبدأ تعاطي الأطراف كافة في الداخل وفي الخارج مع شخص رئيس الجمهورية حصرياً.
عربياً: استرداد المبادرة في التعاطي مع سورية ورأيه في مسألة العلاقات بين البلدين هو التالي: ان العلاقات بين لبنان وسورية عادت إلى السكة الصحيحة وهي مبنية على الصدق وعدم المواربة، وعدم الحياء في قول الحق والأساس هو «الصراحة بيني وبين الرئيس بشار الأسد».
أما التعامل مع سائر الدول، وقد زار العديد منها حتى الآن مركزاً على الحصول على مساعدات اقتصادية في مختلف مجالات الإنماء، إضافة إلى تعزيز قدرات الجيش اللبناني عبر تزويده (شراء أو هبات) بأنواع معينة من الاسلحة تصلح لاستخدام الجيش لها ضد العمليات الإرهابية، وليس بأنواع متطورة جداً من السلاح والذي من شأنه «أن يحدث خللاً في ميزان القوى في المنطقة، خصوصاً لجهة ضمان أمن إسرائيل».
وفي إطار سعيه لإعادة اهتمام المجتمع الدولي بالوضع اللبناني قام سليمان بالعديد من الزيارات وسيقوم بالمزيد منها في المستقبل القريب. وآخر محطة كانت له في المانيا، وأوضحت المستشارة انغيلا مركل للرئيس سليمان: «ان المانيا ستعزز تضامنها مع لبنان، خصوصاً في مساعدته على توفير الأمن على حدوده مع سورية». وأشارت دوائر المانية واكبت محادثات الرئيس سليمان مع المستشارة ميركل، الى أن برلين تريد تطبيق «المرحلة الثانية» من هذه المساعدة، أي المشروع النموذجي الرامي إلى تحسين أمن الحدود بين لبنان وسورية. والمرحلة الثانية من هذا المشروع ستتيح توسيع الفاعلية لتشمل كل الحدود اللبنانية – السورية».
هذا في جانب، وأما في الجانب الآخر من اللقاء اللبناني – الألماني فورد على لسان مركل قولها: «سنقوم بكل ما من شأنه المساعدة على ارساء الإطار العام لمفاوضات السلام في الشرق الأوسط، ونحن نشجع المحادثات بين سورية وإسرائيل والتعاون أيضاً بشأن مزارع شبعا بين الأمم المتحدة وإسرائيل وكل المعنيين الآخرين بالأمر».
هذه التطورات تستحضر بعض الوقائع الأخرى التي لها علاقة مباشرة بالوضع القائم. ففي مرحلة تشكيل قوات «اليونيفيل» في جنوب لبنان وإعراب المانيا عن مشاركتها في هذه القوات، صدر كلام ألماني يفيد «ان الاسهام الألماني يلتقي مع قرار مجلس الأمن بضبط الحدود الجنوبية للبنان، لكن القوات الألمانية ستعمل كل ما في وسعها على ما من شأنه أن يضمن أمن اسرائيل ضد محاولات الاعتداء عبر الحدود اللبنانية – الاسرائيلية». وأثارت هذه التصريحات الكثير من اللغط حتى صدر عن الحكومة الالمانية ما ينطوي على تراجع عن هذا الموقف.
وبالعودة الى زيارة الرئيس سليمان الأخيرة الى برلين أطلق مواقف عدة خلال هذا اللقاء حيث قال: «لدينا مجموعات من الناس والاحزاب لها ارتباطات وعلاقات مع هذه الدولة أو تلك. وهذا مصدر غنى، لكن علينا أن نوظف هذه الصداقات لمصلحة التوافق ولمصلحة لبنان. واضافة الى ذلك نريد من الدول أن تتعاطى مع الدولة اللبنانية وتحديداً مع رئيس الدولة المسؤول عن علاقاتها مع الدول الأخرى». وانتهى الى القول: «هناك حجم للتعاطي مع رئيس الدولة وحجم عبر التعاطي مع الآخرين».
وفي معرض الاستنتاج لكل ما تقدم يمكن تسجيل النقاط الرئيسية التالية:
* يحرص الرئيس ميشال سليمان على استرداد مرجعية القرار لرئيس الجمهورية بالمقارنة مع «تعدد» هذه المرجعيات في فترة سابقة. وكذلك يتوقع من الدول العربية وغيرها حصر التعامل مع رئيس الجمهورية وليس عبر التعاطي مع هيئات أو أحزاب على اختلافها. ومن شأن هذا الأمر لو طبق أن يعمل على تعزيز هيبة الدولة المفقودة.
* كان لافتاً زيارة الجنرال ديفيد بيترايوس قائد المنطقة الوسطى الى بيروت في هذا التوقيت بالذات، وتناولت محادثاته تعزيز قدرات الجيش اللبناني بعد اعلان واشنطن ان «البنتاغون» وافق على تزويد لبنان بدبابات متطورة من نوع «ام 600» وهي تصلح لتعقب ومطاردة المجموعات الارهابية. وتضاف هذه الاسلحة الى نوع آخر تم التفاهم عليه مع المانيا خلال الزيارة الأخيرة.
* اذاً تبدو الدول الغربية أو بعضها على الأقل على استعداد لتقديم المساعدات الى لبنان لكنها تضع هذه المساعدات «مشروطة» بتسجيل تقدم على صعيد عقد مفاوضات بين لبنان واسرائيل.
* استقبلت بيروت خلال الاسابيع والايام الأخيرة العديد من الضيوف الأجانب ومن بينهم وزير الدولة البريطاني للشؤون الخارجية – المسؤول عن شؤون الشرق الأوسط بيل راميل، وقد حرص على ابلاغ المسؤولين اللبنانيين «ان المحادثات الجارية بين بريطانيا وسورية هي لمصلحة لبنان ولن تكون على حسابه». وأضاف في معرض توصيفه لأهداف جولته في المنطقة ان «هذه الاتصالات تهدف الى تشجيع المسؤولين السوريين وحضهم على لعب دور أكبر في تفعيل عملية السلام في الشرق الأوسط واحترام سيادة الدول المجاورة لسورية واستقلالها اضافة الى ضرورة احترام القرارات الصادرة عن مجلس الأمن».
* في هذه المرحلة الانتقالية السائدة اميركياً وعالمياً ليس بإمكان لبنان ودول المنطقة سوى الانتظار الى ما بعد تولي الرئيس الأميركي الجديد باراك أوباما صلاحياته الدستورية وذلك في 20 كانون الثاني (يناير) 2009.
* مع اعلان الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون أن المحكمة الدولية ستبدأ عملها اعتباراً من أول آذار (مارس) المقبل عاد السجال الى حدته السابقة حول «تسييس المحكمة» أو عدم تسييسها. والخطأ الذي يرتكبه بعض الأفرقاء في لبنان هو التحدث باسم المحكمة واطلاق أحكام ستصدر بحق «اسماء وشخصيات معينة»، فيما ترد أطراف أخرى برفض التعاون مع هذه المحكمة. وإذا كان الجميع يريد معرفة «الحقيقة» كما يعلنون ويصرحون يجب ترك المحكمة لأهل القانون من القضاة الدوليين يشاركهم بعض القضاة اللبنانيين، على رغم إقرار البعض بحجم ومدى الصعوبات التي ستواجه المحكمة من حيث تأمين حماية الشهود في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري والتأكد من امكانية نقل الشهود مع المتهمين الى مقر المحكمة في لاهاي.
وللتذكير فإن الفترة المحددة لعمل هذه المحكمة هو ثلاث سنوات تعقبها ثلاث سنوات أخرى للاستئناف والتمييزللأحكام التي ستصدر.
* كاتب وإعلامي لبناني




















