في اللحظة التي قررت فيها سلطة اليوم أن تجمع خطاب الفتح والتمكين إلى إدارة الواقع، اكتشف أغلب كوادرها أن العالم الذي دخلوا إليه لم يكن كما تخيلوه أو كما قيل لهم. لم يكن كافيًا التحدث عن الشرعية أو القوة العقائدية، ولم يعد يكفي الوعد بالمساندة والدعم لتحريك مجتمع منهك، اقتصاد متشابك، قانون غير موجود، وجهاز إداري يحتاج إلى عقلانية ومؤسسات متماسكة. الدولة الحديثة، والأهم انهيار كامل الهرم السكاني، آنذاك أدركوا بسرعة، أن الدولة ليست مجرد كرسي للحاكم أو سلطة مطلقة مع مساندة دولية أو إقليمية، إنها شبكة معقدة من المؤسسات، القوانين، والآليات التي تتشكل عبر التاريخ والتراكم والخبرة، ولا يمكن اختصارها في كلمات أو شعارات.
من بين أول الأشياء التي اكتشفوها، كانت الفجوة البنيوية التي ورثها التاريخ الإسلامي: غياب النظرية السياسية أي غياب الحزمة الرئيسة المشكلة للدولة الحديثة (نظرية الدولة، نظرية الاقتصاد، نظرية القانون، ونظرية الإدارة). هذه السلسلة، التي لم تنتج في تاريخ المنطقة، ولا في كل الفقه الإسلامي، لم تكن مجرد فكرة نظرية، بل شرط لا غنى عنه لبقاء أي دولة، وأي سلطة. الدولة، بوصفها الشرط الأساسي، بغير مفهوم الغلبة، لم تولد نظريًا في أي مشروع كيان سياسي من المشاريع الإسلامية الكبرى. والسلطة بهياكلها وتوزيعها كانت دومًا مركزة في شخص الحاكم، والفكر السياسي، مهما عظم شأنه عند الماوردي، أو ابن خلدون، أو ابن رشد، أو غيرهم.. بقي فرديًا، صراخ في البرية، ولم يتحول إلى عملية تراكمية يمكن أن تُبنى عليها اليوم دولة حديثة.
ثم جاء الاقتصاد، ليكشف هشاشة السلطة من الداخل. لا يكفي أن يعرف القادة أحكام الربا والزكاة، أو أن يضع نصائح مالية على الورق. الاقتصاد الحديث يحتاج إلى إدارة موارد عامة، تنظيم إنتاج، توزيع ثروات، تخليق فرص، وقبل كل هذا إدارة أزمات، وقرارات متشابكة تتفاعل مع السوق العالمي. المقربون الذين وثق بهم “القائد” ظن بهم، وظنوا أن الولاء يكفي ليحل محل العلم والخبرة، وظنَّ، وظنوا أن الوطن يمكن أن يُدار كما يُدار تجمعهم الخاص، كأن الأرض ملك حصري لهم. لقد اصطدموا في هذه مبكراً بالجدار، ولهذا كان لا بد من الاعتماد جزئياً على بعض تكنوقراط، تشعر أنهم يديرون اقتصاداً بذهنية المياومة، وكلُ يأخذ الأمور باتجاه محصلة خبراته، هو، دون مشترك، بلا أي بوصلة أو سياسات أو استراتيجيات اقتصادية؟
وهنا بدأت السخرية تكشف نفسها: المقربون أكثر ثقة، نعم، لكن ثقتهم غالبًا ما تكون وهمًا. كل قرار يتخذونه يتراكم فوق عدم خبرتهم، وكل تنازل يقدمونه أو خطأ يرتكبونه يُدفع ثمنه من رصيد الوطن، من سيادته، من موارده، من وحدة شعبه. ولقمة عيشه، وتفاقم معاناته التي تتورم وتؤلم أكثر، كل ولاء، مهما كان صادقًا، لا يستطيع إدارة اقتصاد منهك، أو توحيد مجتمع ممزق، أو تطبيق قانون لا وجود له. والقيادة، بدورها، تظن أن المقربين يمكن أن يعوضوا كل هذه الفجوات. وكأن الولاء الشخصي يمكن أن يصنع دولة.القانون، كما اكتشفوا لاحقًا، هو المفاجأة الكبرى. الشريعة كانت دائمًا معيارًا أعلى من السياسة، لكن الدولة الحديثة تحتاج قانونًا عامًا، مجردًا، يُطبق على الجميع، ينظم العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. المقربون، رغم ولائهم، لم يستطيعوا صياغة هذا القانون، ولم يكن لديهم أدوات لتطبيقه على أرض الواقع. كل قرار أو حكم صار إما شخصيًا، أو قائمًا على شعور فردي بالعدل، وليس قاعدة عامة تطبق على الجميع.
ثم الإدارة، وهي الحلقة الأخيرة والأكثر قسوة، كشفت عن المفارقة الكبرى. الإدارة الحديثة ليست مجرد توزيع مهام أو تنظيم جداول. إنها عقلانية متكاملة، بيروقراطية محترفة، أجهزة تنفيذية مستقلة، آليات مساءلة وكفاءة. المقربون، الذين ظنوا أن ولاءهم يفي بالغرض، أصبحوا سببًا في كشف هشاشة النظام الداخلي، وفي تحوله إلى شبكة ولاءات شخصية، حيث يظن كل واحد منهم أن دوره هو الأهم، وأن قراراته على حق، وكأن الوطن ملكهم وحدهم.
ومع كل هذه الأخطاء والانقسامات، بدأ العامل الخارجي يطل من خلف الستار. القوى الدولية، من الولايات المتحدة إلى روسيا وتركيا والعدو الحقود اللئيم “إسرائيل”، لم تصنع الأزمة، لكنها استثمرت في الهشاشة، وأولها هشاشة المقربين. أي اتفاق أو تفاهم، كما حصل مع قسد، لم يكن مجرد ترتيب سياسي، بل اختبار صارخ لضعف السلطة، ومرآة تُظهر كم كانت الولاءات الشخصية دون باقي السوريين وقواهم عاجزة عن إدارة الواقع. كل تنازل يُدفع، ليس من رصيد السلطة أو المقربين، بل من الوطن نفسه، من سيادته، من موارده، من وحدة أراضيه.
ومع هذا، ظل الصراع الداخلي محتدمًا. تيار براغماتي يرى الحقائق كما هي، ويحاول أن يتكيف، ويكتشف الفجوات ويبحث عن حلول عملية، بينما التيار العقائدي يتمسك بالتمكين، يرفض الاعتراف بالعجز، ويظن أن الشرعية العقائدية يمكن أن تتجاوز الواقع. والمفارقة الساخرة تكمن في أن أكثر الأشخاص ثقةً — وهم المقربون من القيادة والناطقين الرسميين وغير الرسميين باسمها، الذين كان يُعتقد أن ولاءهم ووفاءهم يكفي لتعويض أي فراغ أو ضعف أو خطأ في أداء السلطة — كانوا في الواقع مصدر الانكشاف الأكبر، وكشفوا هشاشة السلطة على نحو لم يكن متوقعًا. وهم يكشفون فجوة الخطاب عن الواقع بطريقة مريرة، مضحكة، ومأساوية في الوقت نفسه.
هكذا، تتحول مأساة الحركات الجهادية إلى قصة تراكمية. ليست مأساة إخلاص، وليست مأساة شعارات، بل مأساة مواجهة واقع لم يُخلق لها تاريخيًا. الدولة الحديثة تحتاج تراكمًا، تجربة، فشلًا، تعديلًا مستمرًا، وإعادة بناء. والولاء الشخصي، مهما كان نقيًا، لا يمكن أن يحل محل هذه السلسلة من الدولة، الاقتصاد، القانون، والإدارة. كل حركة تحاول اختصار الطريق تجد نفسها في مواجهة ليس فقط خصومها، بل تعقيد الدولة نفسها، وتعقيد الواقع الوطني، وتعقيد الزمن التاريخي الذي لم يكتمل.
في النهاية، ما يحدث في سورية ليس مجرد اختبار للسلطة أو القيادة، بل كشف ساخر ومرير عن هشاشة البنية السياسية، عن فراغ تراكمت نتائجه عبر سنين، وعن سخرية القدر من فكرة أن المقربين يمكن أن يحكموا مجتمعًا معقدًا. إنها مأساة تراكمية، ومفارقة مؤلمة، حيث يبقى الوطن يفلت من بين أيادي من ظنوا أن الولاء الشخصي يكفي لإدارته، بينما التاريخ، والحقيقة، والواقع يصرّون على أن الدولة ليست ملكًا لأحد، مهما كانت الثقة أو القرب.
- كاتب سوري





















