على الرغم من الضجة التي أحدثها البيان المشترك بين أميركا وسوريا وإسرائيل الذي نشرته السفارة الأميركية في سوريا، حول آخر جولة مفاوضات بين دمشق وتل أبيب في باريس في 7 كانون الثاني/يناير الحالي، لم يشر ذلك البيان صراحة إلى السويداء؛ إحدى أهم الملفات على الطاولة.
الحل يبتعد أكثر فأكثر بعد تصريحات أدلى بها شيخ الطائفة الدرزية، حكمت الهجري، لصحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية، معتبراً إسرائيل هي “الجهة الضامنة والوحيدة المخوّلة للتوصل إلى ترتيبات مستقبلية”.
وخلال الشهرين الماضيين، دخلت قضية السويداء حالة من الاستعصاء السياسي، تمثلت في خفوت خريطة الطريق، مع جمود رافق المفاوضات السورية الإسرائيلية.
إحياء خارطة الطريق
في 9 كانون الثاني/ يناير الحالي، زار المبعوث الأميركي إلى سوريا توم باراك، العاصمة الأردنية عمّان والتقى وزير الخارجية الأردنية أيمن الصفدي، حيث أكدا استمرار الجهود المشتركة لتنفيذ خارطة الطريق لإنهاء الأزمة في السويداء وتحقيق الاستقرار في جنوب سوريا.
ومما جاء في خريطة الطريق، التي صدرت في 16 أيلول/ سبتمبر الماضي، أن الولايات المتحدة ستعمل بالتشاور مع الحكومة السورية على التوصل إلى تفاهمات أمنية مع إسرائيل، تراعي “الشواغل الأمنية المشروعة للطرفين” مع الحفاظ على سيادة سوريا ووحدة أراضيها، بدعم من الأردن.
تشير مصادر مطلعة على ملف السويداء عن قرب لـِ “المدن” إلى أن تنفيذ خريطة الطريق يحظى بأولوية لدى الحكومة السورية، بالرغم من العراقيل التي يضعها الشيخ الهجري ومن والاه؛ تارةً بمطالب الاستقلال وتارة بمطالبات بفتح “ممر إنساني” التي وصفتها المصادر بـِ “الخيالية وغير الواقعية”.
تصريحات الهجري لصحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية، قرأتها المصادر على أنها قلق مفرط لدى الهجري من أن يكون “كبش فداء” التفاهمات الأخيرة بين دمشق وتل أبيب في باريس، حيث يشعر الهجري بعد التصعيد في حلب وانسحاب “قسد” منها أنه بحاجة لضمانات إسرائيلية لنجاته.
كما أن التنسيق مع الجانب الأردني والأميركي قائم للاستمرار في تنفيذ الخريطة، مع تعويل مصادر على “الدروز الوطنيين في السويداء لحلحلة الملف”.
ووفق الباحث والكاتب الصحافي، درويش خليفة، يُفهم سبب عدم إدراج السويداء بشكل صريح في نص المبادرة الأميركية على اعتبار أن الضمانة الأمنية للسويداء باتت “خارج إطار النص المكتوب”.
خليفة وفي حديث لـِ “المدن” اعتبر أن اجتماع باريس كان هدفه “تكريس بقاء إسرائيل في المواقع التي احتلتها داخل الأراضي السورية”، ومحاولة إقناع السلطة القائمة بأن هذا الوجود العسكري يُسوَّق على أنه إجراء لحماية استثمارات إسرائيلية.
كما يقدّم استمرار انتشار الجيش الإسرائيلي في المنطقة وفق خليفة، كـَ “عامل ردع” كاف لمنح السويداء مستوى من “الأمان”، بزعم حمايتها من أي انتهاكات قد تصدر عن أطراف محلية، وهذا ما ساهم وفق الباحث في تشجيع الهجري على طلب “الضمان الإسرائيلي”.
البحث عن ضمانات
يعتبر الهجري دروز سوريا “جزءاً لا يتجزأ من دولة إسرائيل” وفق ما قال للصحيفة العبرية، مشيراً إلى أن العلاقة مع إسرائيل “طبيعية” وليست وليدة اليوم، فقد تأسست هذه العلاقة قبل سقوط نظام المخلوع بشار الأسد بزمن طويل، وهناك صلات دم وروابط عائلية.
وفيما يرى الهجري أن إسرائيل هي “الضامن الوحيد” والجهة المخولة بالاتفاقات المستقبلية، يرى الباحث السوري بسام بربندي، أن ملف السويداء لم يعد “شرطاً مسبقاً” لأي اتفاق أمني أو بناء ثقة مع إسرائيل.
يعزو بربندي ذلك في حديثه لـِ “المدن” إلى أن هناك توافقاً سورياً أميركياً إسرائيلياً على أن “ملف السويداء” بات ضمن اختصاص الحكومة السورية.
البيان الثلاثي الذي صدر عن المفاوضات أكد وحدة سوريا وسلامة أراضيها وفق بربندي، مشيراً إلى أن الحل سيكون ضمن الأطر السورية.
توجه دولي
“استثمرت إسرائيل وحكومة نتنياهو أزمة السويداء استثماراً كاملاً، وضغطت عبرها على الحكومة السورية، مستغلة حالة الفوضى التي أحدثها هذا الملف”، وفق قراءة الباحث في مركز جسور للدراسات وائل علوان.
وفي حديثه لـِ “المدن”، يعتبر علوان أن إسرائيل تبدو “غير جادة” في الدفاع عن أي من مطالب المجموعات المسلحة التابعة للشيخ حكمت الهجري؛ فهي لا يمكن أن تدعم انفصال السويداء، كما أن هذا الطرح غير مقبول إقليمياً أو دولياً. ومع ذلك، ظلَّ الاستغلال الإسرائيلي “الجشع” لهذا الملف حاضراً دائماً.
أما الولايات المتحدة الأميركية، فيقول علوان: “لم تتفاعل مع الأزمة بالمنطق الإسرائيلي ذاته؛ لأن إسرائيل سعت للاستثمار في الفوضى لكونها كانت في حالة تفاوض مع الحكومة السورية، وهي مفاوضات يبدو أنها انتهت أو أوشكت على الانتهاء”.
من جهة أخرى، سلكت المجموعات الموالية للشيخ الهجري سلوكاً أثار قلقاً إقليمياً ودولياً، وفق علوان، بما في ذلك الولايات المتحدة؛ إذ اعتُبرت مواقفها وتصريحاتها تهديداً للاستقرار في سوريا وللأمن الداخلي والخارجي.
بناءً على ذلك، يسود اعتقاد وفق الباحث السوري، أن هناك توجهاً إقليمياً ودولياً لتفكيك هذا الملف وإنهائه، بما يضمن الأمن والاستقرار في سوريا ودول الجوار.
- المدن

























